فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 11

وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (أسأَلكَ الرِّضا بعد القضاء) [1] .

وممَّا يدعو المؤمن إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانه بمعنى قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) [2] .

وجاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسأله أنْ يُوصيه وصيَّةً جامعةً موجَزةً، فقال: (لا تتَّهم اللهَ في شيءٍ من قضائه) [3] .

وصاحبُ الرِّضا في راحة ولذة وسرور، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ اللَّهَ بِقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَحَ فِي الْيَقِينِ وَالرِّضا , وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسُّخْطِ» [4] .

فالرَّاضي لا يتمنَّى غيرَ ما هو عليه من شدَّةٍ ورخاء، كذا رُوِيَ عَنْ عمر وابنِ مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر.

فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشُه كلُّه في نعيمٍ وسرورٍ، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال بعض السَّلف: الحياة الطيبة: هي الرِّضا والسَّعادة.

وقال عبد الواحد بن زيد: الرِّضا باب الله الأعظم وجنة الدُّنيا ومستراح العابدين.

وأهل الرِّضا تارةً يلاحظون حكمة المُبْتَلِي وخيرته لعبده في البلاء، وأنَّه غيرُ متَّهم في قضائه، وتارةً يُلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاء، فيُنسيهم ألم المقتضي به، وتارةً يُلاحظون عظمةَ المبتلي وجلالَه وكمالَه، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصلُ إليه خواصُّ أهل المعرفة والمحبَّةِ، حتى رُبَّما تلذَّذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أوجدهم في عذابه عُذوبة.

وسُئلَ السَّرِيُّ: هل يجد المحبُّ ألم البلاء؟ فقالَ: لا. وقال بعضهم:

عذابُه فيكَ عَذْبُ وبُعْدُهُ فيكَ قُرْبُ

وأَنْتَ عِندي كرُوحي بل أَنْتَ مِنها أَحَبُّ

حسْبي مِنَ الحُبِّ أنِّي لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ

وقال آخر:

.فَمَا لجرحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ.

وقال بعض المحبين:

فديتُك قد جُبِلْتُ على هواكَا ونفْسِي ما تَحِنُّ إلى سِوَاكَا

أُحِبّك، لا بِبَعْضِي بل بكُلِّي وإن لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا

(1) ـ رواه أحمد في المسند (21666) ، وابن حبان في صحيحه (1971) ، والحاكم في المستدرك (1900) .

(2) ـ رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير (7692) .

(3) ـ رواه أحمد في المسند (22717) ، والبيهقي في شعب الإيمان (9263)

(4) ـ رواه البيهقي في شعب الإيمان (205) ، وابن السري في الزهد (535) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت