بعد أن أصبحت أعتقد أني قد أكون ميسرًا لهذا الطريق ، سعيت جاهدًا لطبع تلك الكتب الثلاثة ، وكنت أستخير في كل أمر يتعلق بذلك ولو كان اتصالًا هاتفيًا ، وكان الله يصرف عني العروض التي تعرض علي ، وكانت عروضًا مجحفة ، مع أن علمي البشري القاصر يقول من الحكمة أن تقبل هذه العروض (1) طالما لا توجد شهرة ولا مال ولا تمويل لطباعتها .
ومنهم من قدّم عرضًا- قد يكون مقبولًا لمثلي- ، وقال: (( كلمتي كتابة ) )، ثم لا وفَّى بالوعد ولا التزم بالعقد، وأخذ يماطل ويكذب قرابة سنتين ، ثم اعتذر عن طباعتها ، ولولا أني قد استخرت الله على طباعتها عنده؛ لشعرت بحزن عميق وظلم شديد وبعد أن تيقنت من طول المماطلة وغير ذلك ، كنت أدعو عليه أحيانًا ، وأحيانًا بدعاء معلق ، وأحيانًا أسامحه ، وصرت مضطربًا كثيرًا من هذا الدعاء ؛ لأني مازلت أستحضر بأني استخرت الله فيه وما يلزم من ذلك ، مع أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدّر من أفعال العباد حسنها وسيئها (2) ، ولكن مع ذلك أقول: إن ا لإيمان قيد ا لمؤمن ومن هذا القيد: لوازم الاستخارة ، ولكن لما ظهرت الحكمة من كل ذلك سامحته لعل الله يسمح عني، وسوف تأتي الإشارة إلى سبب المسامحة .
(1) ومرة في معرض الكتاب العربي عُرض علي عرض قد يقبله أي شخص في مثل وضعي دون تمهل ، فصرفه الله عني ، وكان يريد تخريجًا وتعليقًا لكتب الإمام ابن القيم .
(2) لمزيد من الفائدة انظر لزامًا (( مجموع الفتاوى /8/190 ) ).