وما ثبت داعية على الطريق، وازداد بذلا وإيثارًا، إلا لاكتمال معنى الحرية والوفاء فيه، ومراعاته الوداد، وما أرشد إليه الشافعي من الانتماء.
وإنه معدن الأخلاق والعفة نحرص عليه قبل أن يكون شرط علم وكفاية إدارة، وكانت الطاعة من قبل في جمهرة الدعاة تتحرى عفة القائد قبل أن تسأل عن خبرته في السياسية، فقال الشاعر:
سكن الدعاة إلى أمير سلامة………عف الضمير مهذب الأخلاق
أعطته صفقتها الضمائر طاعة………قبل الأكف بأوكد الميثاق
وكلا نريد، خلقا وخبرة، ولكن ميزان الدعاة في أحكام التفاضل يقدم ويؤخر بعيدًا عن أعراف السياسة، يعلمون أن الخلق تقوى، وأن التقوى باب الوعي، بوجودها يتعلم الساذج، ويلهم الصواب إلهامًا.
ثم أنه تأديب شامل يجبر الحر على دوام الانتماء إلى الدعاة الذين ربوه، وما هي لفظة عابرة.
فإن دعاة غذوك الفكر……بهم هدي الشرق والمغرب
وفي أدب منهم نشأت……ونعم لعمرك ما أدبوا
وقد حفزك القرآن إلى أن تقيس توقير المؤدب المربي على توقير المسلم للرسول -صلى الله عليه وسلم- لما قال الله تعالى:
(لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) .
(فلابد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه، وهي لفتة ضرورية، فلابد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة. وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير) (1) .
وللرسول -صلى الله عليه وسلم- المثل الأكمل، ولكنها الموعظة تستلزم القياس.
(1) في ظلال القرآن 18/127.