والطاعة من هذا الكل، لها شرة وفترة، وتتضح صورها للمؤمن أو تغبش، وتقييد الطاعة المتصاعدة بالعزة السنية والحيلولة دون تحولا خنوعا وذلا: جمال إنما يكمله جمال آخر يمسك بزمام رغبة التفلت الجامحة ويمنع تأديتها إلى تسيب وتفرد وافتتان يحرم مقترفه أجر العمل الجماعي، ويمنعه ولوج الجنة مع تلك الزمرة، ويظل هذان الجمالان يتألقان حتى يغدو وجه الواحد من المؤمنين الذين مع تلك الزمرة على هيئة القمر البدر ليلة تمامه، كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في نفس الحديث الآنف.
من هنا كان فحص القلب واجبا، ليعرف المؤمن درجته من الزيادة والنقصان، فيحمد ربه أو يستدرك.
ومن هنا كان نداء الجنيد رحمه الله أن:
(انظر ماذا خالط قلبك؟)
فسماها أخلاطًا، أي أنها شوائب، تعكر الصفاء، و توهم بالاطمئنان في غير موضع الرجاء.
أخلاط مردية، تغر وتخدع، تعطيك الصورة، وتمنعك الحقيقة، وتطرحك أرضا من بعد شرة، وتسرق منك هوية الانتساب إلى زمرة القلب.
فتعرف عليها معنا، في جولة فقهية، نكفك بالعلم شر الجهل.
وداد وانتماء
وإنما يساعد على التعرف: الإنصاف فإنك مجاهد والمجاهد حر رفض الذي فتحركن وللحر سمات وطباع، ذاك السير إلى العز أولها، وليس بكملها، وكما أن الحر به يعرف، فإنه برد الجميل من بعده ينخلع عن نوع من خلق العبودية ويصرف، وذلك الذي أشار إليه الإمام الشافعي حين يقول:
(الحر من راعي وداد لحظة، أو انتمي لمن أفاده لفظه) .
وهذه الدعوة علمتك دهرًا معنى الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حرًا: راعيت ودادها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تربص بها، وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت.
ولا ينتصب أحد لفتنة من بعد ستر، ولا يكسل كسلان فينقطع ويترك ويستبدل أصحاب بأصحاب، إلا لنقص معنى الحرية فيه، وإلا لتقمصه بعض أثواب عبودية الدنيا.