الصفحة 50 من 117

فالمواضعة الموروثة القائمة في المفردات (صوتًا ومعنى) وفي الأنماط التجريدية للتراكيب لا بد أن تصاحبها مواضعة ذاتية في المتكلم، تتنوع بتنوع المتكلمين وإمكاناتهم وأدواتهم وثقافاتهم وطباعهم، وهي مواضعة ليست حرة طليقة لا مرجع لها تنضبط به، بل هي مواضعة ذات حرية ناظرة بعين الرعاية أصولًا موروثة، هي ما يعرف بأصول علم النحو، هي الأنماط التجريدية للتراكيب والإمكانات التي تحتملها تلك الأنماط.

هذه المواضعة الذاتية هي وضع المتكلم كلامه الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وعلم النحو يقتضي أصولًا كلية لأنماط تجريدية للتراكيب ذات إمكانات احتمالية مصحوبة بقرائن مثالية أو مقامية هادية سواء السبيل، لفهم المراد والمعنى والغرض المنصوب له الكلام، وفاء بحق السامع في أن تطرق له السبل إلى المعاني والأغراض حتى لا يؤتى من سوء إفهام الناطق.

أنت ـ أيها المتكلم ـ تضع كلامك وليس أجدادك، لأنه كلامك أنت، لكنك تبقى معنيًا في وضعك كلامك بصلة رحمه، بأن تضعه الوضع الذي يقتضيه علم النحو، الذي ورثته عن أسلافك، وكان فريضة عليك استثمار ما ورثت.

إذا ما كانت المفردات أصواتًا وصورًا ومعاني إفرادية إنما هي مواضعة موروثة، لا يتأتى لنا الانعتاق منها، وكانت ـ أيضًا ـ الأنماط التجريدية للتراكيب موروثة، إذ هي أصول كلية تجريدية لنحو ومسلك ومنهج الإبانة، لا ترتبط بمعنى معين ولا غرض محدد ولا سياق مقيد، فلا دخل للمتكلم فيها إذ هو يرثها، وكل ذلك لا يحيل مفردات اللغة إلى كلام ينتسب إلى صاحبه ـ إذا كان ذلك فنحن لا نتمرد على الألفاظ التجريدية للتراكيب التي هي الأصول الكلية لعلم النحو مثلما لا نتمرد على مفردات اللغة، في صورتها الصوتية وما تدل عليه من معان إفرادية دلالة إجمالية، وكذلك لا نتعبَّد بهذه الأنماط تعبدًا حرفيًا، بل نستهدي بها، ونضع كلامنا على هدي ما تقضي به أصولها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت