والمتكلم هو الواضع لصورة النسيج الكلامي والمقيم لبنائه، ولذلك تسمعه يقول لك:"تضع كلامك"، فأنت أيها المتكلم الواضع لكلامك، وليس أجدادك. أنت لم ترث عنهم صوت النسيج الكلامي، أنت ورثت عنهم مفردات ذات أصوات ومعانٍ إفرادية لا تتفاضل، وهى مطروحة في مراقدها (المعاجم) متاعًا مباحًا لكل ناطق بلسان العربية، وأنت ورثت عنهم الأنماط التركيبية المجردة التي لا ترتبط بأي ضرب من ضروب البيان اللساني في العربية إن شعرًا وإن نثرًا. تلك الأنماط التجريدية للتراكيب، التي يعلم المتكلمون الأصول الكلية لبنية الجملة الفعلية مثلًا، والإمكانات التي تحتملها تلك البنية، أيًّا كانت معانيك وأغراضك ومقاصدك وسياقات القول. وهي التي تعرف بأصول علم النحو، أي نحو العربية ونهجها في بناء الكلام. أنت ترث هذين عن أجدادك ولا فضيلة لك على غيرك في هذا إلا بمقدار علمك بها، ومدى إحاطة هذا العلم بكافة الأصول والإمكانات التي تحتملها تلك الأنماط التجريدية للتراكيب، وكل هذا وإن بلغت فيه المدى لن يدخلك في عداد البلغاء، ولا في عداد المتكلمين الذين يستمع إليهم، فقد يكون المرء هو المحيط الواعي لكثير من مفردات العربية، ولكثير أو لكل الأنماط التجريدية للتراكيب في علم نحو العربية، والإمكانات التي يحتملها كل تركيب، ثم هو برغم من ذلك عيي لا يبين، ولا يشار إليه، ولا يستمع إليه في باب البيان.
يقول الإمام: (( واعلم أنّا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى اللغة، ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها، وما ينبغي أن يُصنع فيها، فليس الفضل للعلم بأنَّ"الواو"للجمع، و"الفاء"للتعقيب بغير تراخ، و"ثمَّ"له بشرط التراخي، و"إنْ"لكذا، و"إذا"لكذا، ولكن لأن يتأتى لك إذا نظمت شعرًا وألفت رسالة أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه ) ) (1) .
(1) الدلائل: ص 249، ف287.