الصفحة 48 من 117

كرر عبد القاهر وصرف البيان في شأن مفهوم النظم عنده، حتى تتقرر حقيقته وأهميته، ويتبين مناطه ومعانه، فلا يختلط في وهم أنه كمثل نظم الحروف في الكلمة، أو مجرد ضم كلمة إلى أخرى كيف جاء، أو هو النظم المقابل للنثر، أو هو النظم أي الطريقة التي اختص بها القرآن في تبويب بيانه على غير ما عهدت العرب من أجناس القول: القصيدة والرسالة والخطبة، وما يعرف في المصطلح النقدي العصري بالأجناس الأدبية، على نحو ما أشار إلى مثله الباقلاني (ت 403هـ) . من أن القرآن جاء نظمه على غير المعهود من نظم الكلام عند العرب، التي هي أعاريض الشعر، والنثر الموزون غير المقفى، والنثر المسجع، والنثر المرسل …

فعبد القاهر كرر وصّرف حتى يتبين الأمر، وأن النظم عنده غير الذي عند كثير، وأدرك أنه بالغ في هذا، فإنه يشكو حال الناس في هذا على الرغم من التكرير والترديد. يقول: (( واعلم أنه وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبْدأنا فيه من أنه لا معنى للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، قد بلغت في الوضوح والظهور والانكشاف إلى أقصى الغاية، وإلى أن تكون الزيادة عليه كالتكليف لما لا يحتاج إليه، فإن النفس تتنازع إلى تتبع كل ضرب من الشبهة، يُرى أنه يعرض للمسلم نفسَه عند اعتراض الشك ) ) (1) .

ومن بعد ذلك البسط في تتبع مواقع بيان الإمام حقيقة النظم عنده، فإنَّ بي حاجة إلى النظر في تفسيره مفهوم النظم الذي حرّره بقوله أولًا: (( ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو … ) ) (2) . يقرِّر الإمام أن النظم هو عمود نسج مفردات اللغة كلامًا. فوضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النحو هو إخراج النسيج الكلامي من مواد اللغة إخراجًا يقتضيه نهج ونحو الإيجاد الوظيفي للغة التي يرثها الخلف عن السلف.

(1) الدلائل: ص 370، ف442.

(2) الدلائل: ص 81، ف75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت