تحكي حركة التاريخ دائمًا أن التحولات في المجتمع البشري تأتي نتيجة عمليات غزو وغزو مضاد ، وكل غزو يحمل فكرة أو عقيدة أو مذهبًا يريد العلو على غيره وفرض إرادته عليه . ولما كانت الأفكار والإرادات والعقائد والثقافات
تتقلب بين كفر وإيمان ، وبين فساد وصلاح ، كانت الغلبة لفريق غازٍ ، هي غلبة لفكرته وإرادته وعقيدته وثقافته ، فعندما يغزو المؤمنون أو يصدون الغزو ، تنتصر وتعلو عقيدتهم وثقافتهم وإرادتهم ، والعكس يحدث عندما يغزوهم الكفار ، أو
يمنعونهم من الغزو لنشر الإيمان والاستقامة والتوحيد .
وهذه هي سنة التدافع التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: { وَلَوْلادَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } ( البقرة: 251 ) ، وقوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ( الحج: 40-41 ) ، إن الآية الأولى - آية البقرة -
جاءت تعقيبًا على قصة انتصار التوحيد بقيادة طالوت و داود ، على الشرك والوثنية بقيادة جالوت ؛ لتبين أنه لولا مثل هذا الدفع لفسدت الأرض بشرك أمثال جالوت ، عندما تعلو كلمتهم على منهج الإيمان والتوحيد الذي جاء به أنبياء كداود - عليه
السلام - . والآية الثانية - آية الحج - وهي أول آية نزلت في القتال ؛ جاءت بالإذن للمسلمين في قتال أهل الشرك من قريش ؛ لما بالغوا في إيذاء المسلمين لفتنتهم عن دينهم وإعادتهم إلى الشرك ، وبينت الآية أنه لولا هذا الأذن بمثل ذلك