النوازل بعدها قد تولد عنها ، بدءًا من سيطرة الكفار العسكرية المباشرة على معظم بلدان المسلمين ثم توريثها للعلمانيين المنافقين ، ومرورًا بكارثة ضياع فلسطين ، ووصولًا إلى ما يحدث الآن في العراق و أفغانستان و الشيشان و الفلبين وكل
البلدان التي يستضعف فيها المسلمون ، فالبدء كان بدولة الخلافة العثمانية الجامعة لشمل المسلمين ، والتي مثلت - بالرغم مما قيل فيها من مثالب - فخرًا للمسلمين ، فسقوط هذه الدولة لم يكن تحصيل حاصل كما يزعم بعض المؤرخين ، ولا كان أملًا
جماهيريًا عند المسلمين كما يهرف جهلة المثقفين .
لقد كانت هذه الدولة عالمية بكل المقاييس ، حيث امتدت في الزمان والمكان ، فمن حيث الزمان استمر بقاؤها لأكثر من ستة قرون ، ومن حيث المكان امتدت أراضيها من آسيا إلى أوروبا إلى إفريقيا في بقاع شاسعة ، كانت تقوم على حمايتها أكثر جيوش العالم عددًا وعُدة ، حتى إنها عبرت البحر من الأناضول إلى جنوب شرق أوروبا وأواسطها ، وتمكنت تلك الجيوش التي افتتحت أمجادها بفتح القسطنطينية عاصمة الشرك الأوروبي في سنة 857هـ على يد محمد الفاتح ، تمكنت من فتح اليونان و بلغاريا و رومانيا و يوغسلافيا و ألبانيا ، و رودس ، و قبرص ، و المجر ، و كريت ، وسارت جيوشها حتى بلغت فيينا عاصمة النمسا ، ووصلت إلى جنوب إيطاليا ، فكانت أول دولة إسلامية تُدخل النور على ربوع أوروبا المظلمة التي خيمت عليها سحابات الشرك الداكنة طوال تاريخها المعتم بالجاهليات الوثنية .
ولكن هذا الصرح الإسلامي الكبير ، تكالبت عليه الأعداء كما قلنا ، وفي مقدمتهم نصارى أوروبا الذين كسر الجهاد العثماني أنوفهم ، فتحالفوا مع اليهود والمنافقين على تقويض أركان ذلك البنيان الشامخ ، وبدأ الهدم من الداخل أولًا عن