الصفحة 6 من 9

ومن هذا المنطلق فقد حوى الكتاب حشدًا من النصوص الشرعيّة، وبخاصَّة من الأحاديث النبويَّة، وإذ كان المؤلّف لم تكن له عناية خاصّة بعلم الحديث، وتخصُّص فيه، فقد كثرت في كتابه الأحاديث الضعيفة، وما لا أصل له معتبر، ممّا أضعف قيمته العلميَّة، فنهض الإمام المحدِّث العراقيُّ بتخريج أحاديثه لتلافي هذا الخلل، وسدَّ هذا النقص، فأصبح كلُّ قارئ للإحياء على بيّنة من أحاديثه فيترك ما لا يصح الاحتجاج به، وكلٌّ يُؤخَذُ مِنْ قوله ويُرَدُّ إلا مَنْ عصمه الله تعالى.

وهكذا كان أدب علمائنا، أن يستدرك اللاحق على السابق، ويكمِّل عمله النافع، ولا يلغيه ولا ينتقصه، وهذا من علامات إخلاصهم لدين الله، ونصحهم لعباد الله، وتجرُّدهم عن حظوظ النفس وأهوائها، وهو أدب فقدناه في أيّامنا فأسأنا لأنفسنا وتراثنا، وأصبح بأسنا بيننا، وأشمتنا بنا عدوّنا، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

ومن الأمور التي تنتقد في الكتاب قوله: (فإن التوكُّل من مقامات الدِّين يُستعان به على التفرُّغ لله تعالى فما للبطال والتوكُّل، وإن كان مشتغلًا بالله ملازمًا لمسجد أو بيت وهو مواظب على العلم والعبادة فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ولا يكلِّفونه ذلك، بل اشتغاله بالله تعالى يقرِّر حُبَّه في قلوب الناس حتى يحملون إليه فوق كفايته، وإنما عليه أن لا يغلق الباب ولا يهرب إلى جبل من بين الناس وما رؤي إلى الآن عالم أو عابد استغرق الأوقات بالله تعالى وهو في الأمصار فمات جوعًا ولا يرى قط، بل لو أراد أن يطعم جماعة من الناس بقوله لقدر عليه، فإنَّ مَنْ كان لله تعالى كان الله عز وجل له، ومن اشتغل بالله عز وجل ألقى الله حُبَّه في قلوب الناس، وسخَّر له القلوب كما سخَّر قلبَ الأم لولدها، فقد دبَّر الله تعالى الملك والملكوت تدبيرًا كافيًا لأهل الملك والملكوت، فمن شاهد هذا التدبير وثق بالمدبِّر واشتغل به، وآمن ونظر إلى مدبِّر الأسباب لا إلى الأسباب) .

ثم قال: (فتركه التوكُّل واهتمامه بالرزق غاية الضعف والقصور) وقال: (فالاهتمام بالرزق قبيح بذوى الدين وهو بالعلماء أقبح لأنَّ شرطهم القناعة والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدى الناس ويأكل من كسبه فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل، ولم يكن له سير بالباطن فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرَّب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى لأنه تفرُّغٌ لله عز وجل وإعانةٌ للمعطي على نيل الثواب) .

أقول:- وليس لمثلي أنْ يَرُدَّ على الإمام الغزالي ولكنَّها طبيعة المتطفلين على أهل العلم - التوكُّل حقيقته في القلب، فلا تعارض بين عمل الجوارح والأخذ بالأسباب وبين التوكُّل على الله، فقول الإمام الغزالي رحمه الله: (فالناس لا يلومونه في ترك الكسب، ولا يكلِّفونه ذلك، بل اشتغاله بالله تعالى يقرِّر حُبَّه في قلوب الناس حتى يحملون إليه فوق كفايته) ، وقوله: (فالاهتمام بالرزق قبيح بذوى الدِّين وهو بالعلماء أقبح) ، وقوله: (فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ مِنْ يد مَنْ يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى، لأنه تفرغ لله عز وجل وإعانة للمعطي على نيل الثواب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت