فلو أن حبة من خردل متناهية في الصغر وكانت في بطن صخرة صماء أو كانت في أرجاء السماوات أو في أطراف الأرض لعلم الله تعالى مكانها ولأتى بها سبحانه وتعالى ... الله أكبر!!
لا إله إلا الله أحاط علمه بكل شيء ... يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء .. يرى مخ ساقها وجريان الدم في عروقها .. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فأين يختبئ منه العاصي إذا أراد أن يعصيه؟!! قال الله - عز وجل - {فأين تذهبون} التكوير:26
فكيف إذًا تسمى هذه الممارسة بالعادة السرية .. !! وكيف يمارسها المسلم وهو يعلم علم اليقين أن الله ينظر إليه ومطلع على حركاته وسكناته؟!!
قال سيد قطب ـ رحمه الله ـ في تفسير الآية السابقة [[1] ]"وما يبلغ تعبير مجرد عن دقة علم الله وشموله، وعن قدرة الله سبحانه، وعن دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغ هذا التعبير المصور. وهذا فضل طريقة القرآن المعجزة الجميلة الأداء، العميق الإيقاع .."
حبة من خردل. صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة {فتكن في صخرة} .. صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها. {أو في السماوات} .. في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة. {أو في الأرض} ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين. {يأت بها الله} .. فعلمه يلاحقها، وقدرته لا تفلتها. {إن الله لطيف خبير} .. تعقيب يناسب المشهد الخفي اللطيف.
ويظل الخيال يلاحق تلك الحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة ويتملى علم الله الذي يتابعها. حتى يخشع القلب وينيب، إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب. وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها في القلب. بهذا الأسلوب العجيب."ا. هـ [[2] ]"
عجبًا لحال المسلم .. فإلى هذه الدرجة ـ يا أيها الناس ـ هان الله في نظر الممارس .. حتى أصبح أهون الناظرين إليه ..
فلو كان أمام الممارس ـ سنبين إن شاء الله حكم الاستمناء بيده أو بيد زوجته ـ أحد من الناس ولو طفل صغير ينظر إليه .. أكان يجرؤ على مواقعة المعصية أمامهم!! أين نحن من قول الله - عز وجل - {أتخشونهم. فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} التوبة: 13.
فإن الممارس لا يقوم بهذا الفعل إلا أن تكون خشيته وخوفه من الله، أصبحت ضعيفة هشة لا وزن لها .. لا تلامس حرارة قلبه .. مما يؤدي به المطاف إلى أنه لا يمتنع عن فعل هذه العادة ـ
(1) لقمان: 16
(2) في ظلال القرآن 5/ 2789.