فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 424

وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة أو من تثقل عليه بعض التكاليف، وتشق عليه بعض التضحيات، التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف للإسلام، وتناوشه من كل جانب والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى يصعب فصمها والتخلي عنها نهائيا كما تقتضي العقيدة ذلك.

ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفا عميقا في نفوس المسلمين الصادقين فارتعشت له قلوبهم، وخافوا أن يقع منهم ما يبطل أعمالهم، ويذهب بحسناتهم .. عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ:"كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذَنْبٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ، فَنَزَلَتْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فَخَافُوا أَنْ يُبْطِلَ الذَّنْبُ الْعَمَلَ" [1] .

وروي وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"كُنَّا مَعَاشِرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَسَنَاتِنَا إِلَّا مَقْبُولًا , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] فَتَأَمَّلْنَا مَا هَذَا الَّذِي يُبْطِلُ أَعْمَالَنَا , فَقُلْنَا: الْكَبَائِرُ الْمُوجِبَاتُ وَالْفَوَاحِشُ , حَتَّى نَزَلَتْ: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] فَلَمَّا نَزَلَتْ كَفَفْنَا عَنِ الْقَوْلِ , وَكُنَّا نَخَافُ عَلَى مَنْ أَصَابَ الْكَبَائِرَ وَنَرْجُو لِمَنْ لَمْ يُصِبْهَا" [2] .

ومن هذه النصوص يتجلى كيف كانت نفوس المسلمين الصادقين تتلقى آيات القرآن: كيف تهتز لها وتضطرب، وكيف ترتجف منها وتخاف، وكيف تحذر أن تقع تحت طائلتها، وكيف تتحرى أن تكون وفقها، وأن تطابق أنفسها عليها .. وبهذه الحساسية في تلقي كلمات اللّه كان المسلمون مسلمين من ذلك الطراز! ثم بين اللّه لهم في الآية التالية مصير الذين يشاقون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويخرجون عن طاعته، ثم يصرون على هذا، ويذهبون من هذه الأرض كافرين: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ» .. فالفرصة متاحة فقط للمغفرة في هذه الدنيا وباب التوبة يظل مفتوحا للكافر وللعاصي حتى يغرغر. فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة ولا مغفرة، فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود. ومثل هذه الآية يخاطب المؤمنين كما يخاطب الكفار. فأما هؤلاء فهي نذارة لهم ليتداركوا أمرهم ويتوبوا قبل أن تغلق الأبواب. وأما أولئك فهي تحذير لهم وتنبيه لاتقاء كافة الأسباب التي تقرب بهم من هذا الطريق الخطر المشئوم! [3]

(1) - تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ (605) حسن مرسل

(2) - تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ (606) حسن

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَدَلَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْبَدْءِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ , أَنَّ مَنْ كَانَتْ مِنْهُ الْكَبَائِرُ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْحَسَنَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ , حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْمَتْلُوَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , فَعَلِمُوا بِهَا أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ , فَعَقَلُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ إِذَا كَانُوا مَعَهَا لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ". شرح مشكل الآثار [5/ 383] (2137) "

(3) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4116)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت