فالمضطر من الجوع - وهو المخمصة - الذي يخشى على حياته التلف، له أن يأكل من هذه المحرمات ما دام أنه لا يتعمد الإثم، ولا يقصد مقارفة الحرام. وتختلف آراء الفقهاء في حد هذا الأكل: هل هو مجرد ما يحفظ الحياة. أو هو ما يحقق الكفاية والشبع. أو هو ما يدخر كذلك لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام .. فلا ندخل نحن في هذه التفصيلات .. وحسبنا أن ندرك ما في هذا الدين من يسر، وهو يعطى للضرورات أحكامها بلا عنت ولا حرج. مع تعليق الأمر كله بالنية المستكنة والتقوى الموكولة إلى اللّه .. فمن أقدم مضطرا، لا نية له في مقارفة الحرام ولا قصد، فلا إثم عليه إذن ولا عقاب: «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
وننتهي من بيان المحرم من المطاعم لنقف وقفة خاصة أمام ما تخلل آية التحريم من قوله تعالى: «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا» ..
وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم [1] ،ليعلن كمال الرسالة، وتمام النعمة، فيحس عمر - رضي اللّه عنه - ببصيرته النافذة وبقلبه الواصل - أن أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الأرض معدودة. فقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة ولم يعد إلا لقاء اللّه. فيبكي - رضوان اللّه عليه - وقد أحس قلبه دنو يوم الفراق.
هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها .. ما دلالة هذا؟ إن بعض دلالته أن شريعة اللّه كل لا يتجزأ. كل متكامل. سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد وما يختص بالشعائر والعبادات وما يختص بالحلال والحرام وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية. وأن هذا في مجموعه هو «الدين» الذي يقول اللّه عنه في هذه الآية:
إنه أكمله. وهو «النعمة» التي يقول اللّه للذين آمنوا: إنه أتمها عليهم. وأنه لا فرق في هذا الدين بين ما يختص بالتصور والاعتقاد وما يختص بالشعائر والعبادات وما يختص بالحلال والحرام وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية .. فكلها في مجموعها تكوّن المنهج الرباني الذي ارتضاه اللّه للذين آمنوا والخروج عن هذا المنهج في جزئية منه، كالخروج عليه كله، خروج على هذا «الدين» وخروج من هذا الدين بالتبعية ..
(1) - بل آخر مانزل من القرآن الكريم هو آية سورة البقرة قال تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (281) سورة البقرة
فعن بن عباس في قوله: ?واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون?،إنها آخر آية أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.السنن الكبرى للإمام النسائي الرسالة [6/ 465] (10992) صحيح