وهم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال وطلب الرضوان من اللّه .. حجاجا أو غير حجاج .. وأعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام.
ثم أحل الصيد متى انتهت فترة الإحرام، في غير البيت الحرام، فلا صيد في البيت الحرام: «وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا» .. إنها منطقة الأمان يقيمها اللّه في بيته الحرام كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم .. منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى. وأن يروعها العدوان .. إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت استجابة لدعوة إبراهيم - أبي هذه الأمة الكريم - ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام - في ظل الإسلام - وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه ليحرص عليه - بشروطه - وليحفظ عقد اللّه وميثاقه، وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام، وفي كل مكان .. وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان، يدعو اللّه الذين آمنوا به، وتعاقدوا معه، أن يفوا بعقدهم وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم .. دور القوامة على البشرية بلا تأثر بالمشاعر الشخصية، والعواطف الذاتية، والملابسات العارضة في الحياة .. يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية وقبله كذلك وتركوا في نفوس المسلمين جروحا وندوبا من هذا الصد وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض. فهذا كله شيء وواجب الأمة المسلمة شيء آخر. شيء يناسب دورها العظيم: «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ. وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» ..
إنها قمة في ضبط النفس وفي سماحة القلب .. ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء.
إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس .. التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجا من السلوك الذي يحققه الإسلام، ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام. وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة تجذب الناس إليه وتحببهم فيه.
وهو تكليف ضخم ولكنه - في صورته هذه - لا يعنت النفس البشرية، ولا يحملها فوق طاقتها. فهو يعترف لها بأن من حقها أن تغضب، ومن حقها أن تكره. ولكن ليس من حقها أن تعتدي في فورة الغضب ودفعة الشنآن .. ثم يجعل تعاون الأمة المؤمنة في البر والتقوى لا في الإثم والعدوان ويخوفها عقاب اللّه، ويأمرها بتقواه، لتستعين بهذه المشاعر على الكبت والضبط، وعلى التسامي والتسامح، تقوى للّه، وطلبا لرضاه.
ولقد استطاعت التربية الإسلامية، بالمنهج الرباني، أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القوية، والاعتياد لهذا السلوك الكريم .. وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوي وعن هذا الاتجاه