وإذا كانت الرّؤية في حدّ ذاتها تشبه الشّهادة والرّواية، فإنّ الإعلام بها بعد ثبوتها لا خلاف في كونه رواية، لذلك فإنّه يعتمد في نقلها وسائل نقل الخبر، ويشترط في المخبر بها شروط الرّاوي المقبول الرّواية المتعارف عليها عند المحدّثين والفقهاء، وهي: العدالة والضّبط.
والمالكيّة ألزموا من رأى الهلال وحده بإعلام الإمام برؤيته لاحتمال أن يكون غيره قد رأى أو علم فتجوز شهادتهما.
وقت الإعلام:
ثم إنّ وقت الإعلام بالنّسبة لرمضان هو ما قبل فجر اليوم الأوّل منه فإن حصل بعد ذلك وجب الإمساك وعقد نيّة الصّيام وقضاء ذلك اليوم حتّى بالنّسبة لمن بيّت الصّيام على غير جزمٍ بدخول رمضان.
س: ماذا على من رأي الهلال نهارا؟
الجواب:
ظهور الهلال في النّهار يعتدّ به عند بعض الفقهاء للّيلة التّالية، ويفرّق آخرون بين ظهوره قبل الزّوال فيكون للّيلة الماضية، وبعده فيكون للّيلة التّالية.
قال ابن حزم: [المحلى - [ج 6 / ص 239وما بعدها]
مسألة وإذا رؤى الهلال قبل الزوال فهو من البارحة ويصوم الناس من حينئذ باقى يومهم ان كان أول رمضان ويفطرون ان كان آخره، فان رؤى بعد الزوال فهو لليلة المقبلة وعن ابراهيم النخعي ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى الناس:"إذا رأيتموه قبل زوال الشمس فأفطروا وإذا رأيتموه بعد زوالها فلا تفطروا".... وعن على بن ابى طالب قال رضى الله عنه قال:"إذا رأيتم الهلال من أول النهار فأفطروا وإذا رأيتموه في آخر النهار فلا تفطروا فان الشمس تزيغ عنه أو تميل عنه. أ. هـ"
س: هل يمسك من علم بالهلال نهارا بقية يومه وهل يعد ذلك صياما ام ماذا عليه؟
الجواب:
قال ابن حزم: [المحلى - [ج 6 / ص 166وما بعده]
وكل من ذكرنا من ناس، أو جاهل، أو نائم فلم يعلموا بوجوب الصوم عليهم، فحكمهم كلهم هو الحكم الذى جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، من استدراك النية في اليوم المذكور متى ما علموا بوجوب صومه عليهم، وسمى عليه السلام من فعل ذلك صائما، وجعل فعله صوما,
(قلت: وهذا يعنى ان صيامه تام ولا قضاء عليه ولعل ذلك هو القول الصواب والله تعالى اعلم) وبالله تعالى التوفيق , وبه قال جماعة من السلف , كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عبد الكريم الجزرى:"ان قوما شهدوا على الهلال بعد ما أصبحوا، فقال عمر بن عبد العزيز: من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه"
وعن عطاء:"إذا صبح رجل مفطرا ولم يذق شيئا ثم علم برؤية الهلال أول النهار أو آخره فليصم ما بقى ولا يبدله"
ومن طريق وكيع عن ابى ميمونة عن أبى بشير عن على بن ابى طالب انه قال يوم عاشوراء:"من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليتم بقية يومه"
وروينا من طريق وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين:"ان ابن مسعود قال: من أكل اول النهار فليأكل آخره"
قال على: اختلف الناس فيمن اصبح مفطرا في أول يوم من رمضان ثم علم ان الهلال رؤى البارحة على اقوال:
منهم من قال: ينوى صوم يومه ويجزئه، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه نأخذ، وبه جاء النص الذى قدمنا.
ومنهم من قال: لا يصوم، لانه لم ينو الصيام من الليل، ولم يروا فيه قضاء، وهو قول ابن مسعود كما ذكرنا، وبه يقول داود واصحابنا.
ومنهم من قال: يأكل بقيته ويقضيه، وهو قول رويناه عن عطاء.
ومنهم من قال: يمسك فيه عما يمسك الصائم، ولا يجزئه، وعليه قضاؤه، وهو قول مالك، والشافعي وقال به أبو حنيفة فيمن أكل خاصة، دون من لم يأكل، وفيمن علم الخبر بعد الزوال فقط، اكل ولم يأكل.
وهذا أسقط الاقوال!!! لانه لا نص فيه ولا قياس، ولا نعلمه من قول صاحب، ولا يخلو هذا الامساك الذى امروه به من ان يكون صوما يجزئه، وهم لا يقولون بهذا، اولا يكون صوما ولا يجزئه، فمن اين وقع لهم ان يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه ولا يجزئه؟! وأيضا فانه لا يخلو من ان يكون مفطرا أو صائما: فان كان صائما فلم يقضيه اذن؟! فيصوم يومين وليس عليه الا واحد؟! وان كان مفطرا فلم امروه بعمل الصوم؟! وهذا عجب جدا! وحسبنا الله ونعم الوكيل .... أ. هـ
(قلت: ويجري مجراهم من بلغ الحلم ومن اسلم في نهار رمضان) .
قال الشوكانى: [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 39) ]
وَأَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ نَوْمِهِ لَزِمَهُ إمْسَاكُهُ وَقَضَاؤُهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى سُقُوطِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لِأَنَّ صَوْمَهُ إنَّمَا لَزِمَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ انْتَهَى.
وقال: قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، كَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ. أ. هـ
(قلت: للمزيد من البيان راجع كلام الالبانى في سؤال ما هى صفة نيه الصوم)