وهناك حديث يبيّن اعتناءه - صلى الله عليه وسلم - بشهر شعبان لضبط دخول رمضان، فعن عائشة رضي الله عنها تقول:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام" [اخرجه ابو داود (2325) وقال الالبانى: صحيح]
قال الشّرّاح: أي يتكلّف في عدّ أيّام شعبان للمحافظة على صوم رمضان.
وقد اهتمّ الصّحابة رضي الله عنهم في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم برؤية هلال رمضان فكانوا يتراءونه.
عن عبد اللّه بن عمر، قال: «تراءى النّاس الهلال فأخبرت به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فصام وأمر النّاس بصيامه» .
ويؤيد ذلك ما جاء من حديث ابى هريرة ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أحصوا هلال شعبان لرمضان و لا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم و صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما فإنها ليست تغمى عليكم العدة" [اخرجه الدرقطنى والبيهقى - وقال الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 199 في صحيح الجامع] .
وقد أوجب الحنفيّة كفاية التماس رؤية هلال رمضان ليلة الثّلاثين من شعبان فإن رأوه صاموا، وإلاّ أكملوا العدّة ثمّ صاموا، لأنّ ما لا يحصل الواجب إلاّ به فهو واجب.
وقال الحنابلة: يستحبّ ترائي الهلال احتياطًا للصّوم وحذارًا من الاختلاف.
وبالجملة فهذه المسآله محلّ خلافٍ بين الفقهاء، فبعضهم يقول: يستحبّ للنّاس ترائي الهلال ليلة الثّلاثين من شعبان وتطلّبه، ليحتاطوا بذلك لصيامهم، وليسلموا من الاختلاف، والبعض يرى أنّ التماس هلال رمضان يجب على الكفاية، لأنّه يتوصّل به إلى الفرض.
ويستحبّ التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان ليلة الثّلاثين من شعبان لتحديد بدئه، ويكون ذلك بأحد أمرين
الأوّل: رؤية هلاله، إذا كانت السّماء خاليةً ممّا يمنع الرّؤية من غيم أو غبار ونحوهما.
الثّاني: إكمال شعبان ثلاثين يومًا، إذا كانت السّماء غير خالية.
س: ماذا يجب على من رأى هلال رمضان أو هلال شوال وحده؟
الجواب:
أكثر الفقهاء على أنّ من رأى هلال رمضان وحده لزمه الصّوم، وتجب عليه الكفّارة لو جامع فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» .
قال العلماء من رأى هلال رمضان وحده، ورُدّت شهادته، لزمه الصّوم وجوبًا، عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو مشهور مذهب أحمد، وذلك: للآية الكريمة، وهي قوله تعالى: «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» ولحديث: «صوموا لرؤيته» .
ولأنّه تيقّن أنّه من رمضان، فلزمه صومه، كما لو حكم به الحاكم.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الصّوم، ولكن إن جامع فيه فلا كفّارة وقال عطاء والحسن وابن سيرين وأبو ثورٍ وإسحاق بن راهويه: لا يلزمه الصّوم.
والمالكيّة ألزموا من رأى الهلال وحده بإعلام الإمام برؤيته لاحتمال أن يكون غيره قد رأى أو علم فتجوز شهادتهما، وأوجبوا على الرّائي المنفرد الصّيام، ولو ردّ الإمام شهادته فإن أفطر فعليه القضاء والكفّارة.
قال الحنابلة إذا رأى الهلال وحده صام فإن كان عدلا صام الناس بقوله
وروي عن أحمد: أنّه لا يصوم إلاّ في جماعة من النّاس.
ومن رأى هلال شوّالٍ وحده لزمه الفطر كذلك عند أغلب الفقهاء، لحديث"صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته"، وقال مالك واللّيث وأحمد: لا يجوز له الأكل فيه.
وعند الجمهور لايفطر، خوف التّهمة وسدًّا للذّريعة، وقيل: يفطر إن خفي له ذلك، وقال أشهب: ينوي الفطر بقلبه، وقول الجمهور الّذين منهم المالكيّة - إن أفطر فليس عليه شيء فيما بينه وبين اللّه تعالى، فإن عثر عليه عوقب إن اتّهم، ولا كفّارة، كما نصّ عليه الحنفيّة، لشبهة الرّدّ.
وقال الشّافعيّ: له أن يفطر، لأنّه تيقّن من شوّال، فجاز له الأكل كما لو قامت بيّنة لكن يفطر سرًّا، بحيث لا يراه أحد، لأنّه إذا أظهر الفطر عرّض نفسه للتّهمة، وعقوبة السّلطان.
س: هل يجب على من رأى هلال شهر رمضان او نحوه الابلاغ عن رؤية الهلال؟
الجواب:
إذا ثبت الهلال عند الجهة المختصّة الموثوق بها وجب إعلام النّاس للشّروع في الصّوم، أو الإفطار وصلاة عيد الفطر، أو صلاة عيد الأضحى وذبح الأضحيّة بالخبر كما قال القرافيّ: ثلاثة أقسامٍ رواية محضة كالأحاديث النّبويّة وشهادة محضة كإخبار الشّهود عن الحقوق على المعيّنين عند الحاكم ومركّب من شهادةٍ وروايةٍ، وله صور أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من جهة أنّ الصّوم لا يختصّ بشخصٍ معيّنٍ بل عامّ على جميع المصر أو أهل الآفاق فهو من هذا الوجه رواية لعدم الاختصاص بمعيّنٍ ولعموم الحكم، ومن جهة أنّه حكم يختصّ بهذا العامّ دون ما قبله وما بعده.