الصفحة 18 من 23

وقد ذكر النوويُّ رحمه الله حديثَ ابن عباس هذا في «روضة الطالبين» [63] وعنون له بقوله: «فرع: للمفتي أن يُشدِّدَ في الجوابِ بلفظٍ مُتَأَوَّلٍ عنده؛ زجرًا وتهديدًا، في مواضع الحاجة» ، ثم أوضح ذلك بقوله: «قلتُ: المرادُ: ما ذكره الصَّيْمَرِيُّ وغيره ؛ قالوا: إذا رأى المفتي المصلحةَ أن يقولَ للعاميِّ ما فيه تغليظٌ، وهو لا يعتقدُ ظاهره، وله فيه تأويلٌ - جازَ؛ زجرًا؛ كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سُئل عن توبة القاتل؟ فقال: لا توبةَ له. وسأله آخَرُ؟ فقال: له توبة. ثم قال: أما الأولُ فرأيتُ في عينيه إرادةَ القتل فمنعتُه، أما الثاني فجاء مُستكينًا قد قَتل، فلم أُقَنِّطْه.

قال الصَّيْمَرِيُّ: وكذا إن سأله فقال: إن قتلتُ عبدي، فهل عليَّ قصاص؟ فواسعٌ أن يقال: إن قتلتَهُ قتلناك؛ فعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ" [64] ، ولأنَّ القتلَ له معانٍ، وهذا كلُّه إذا لم يترتَّبْ على إطلاقه مفسدةٌ. والله أعلم» اهـ.

وهذا يدُلُّ على أن المفتيَ ينبغي أن يكون مُرَبِّيًا قبل أن يكون مفتيًا، يَعلم ما ينبني على الفتوى من مصالحَ ومفاسدَ، ويجهد نفسَهُ في هداية الناس، وليس مُلْزمًا بذكر الحكم الشرعيِّ إذا خاف مفسدةً على السائلِ، ففي النصح والتوجيه، والوعظ والتخويف، والترغيب والترهيب - مندوحةٌ عن ذكر الحكم الشرعيِّ إذا خاف على السائل، وتقدم أن السَّلفَ كانوا يُفَرِّقون في الفتوى بين ما وقع وبين ما لم يقَعْ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[1] "أنيس الفقهاء"للقونوي (1/309) ، وانظر:"المصباح المنير" (ص239/ فتي) ، و"فيض القدير"للمناوي (1/158) ، ومقالًا لمحمد بن شاكر الشريف في شبكة"صيد الفوائد"تحت هذا الرابط: http://saaid.net/Doat/alsharef/ 3 .ht

[2] "التعاريف"للمناوي ص (550) .

[3] "لسان العرب" (5/3348) ، (فتا) .

[4] "التعريفات"للجرجاني ص (123) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت