وليس في قاعدة «تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والأحوال» جديدٌ سوى اسمها، وإلا فالكبيرُ والصغيرُ من المسلمين يعلمونَ في الجملة أنَّ مِن الناس مَن يُعذَر في بعض الأحكام، ومنهم من يُعذَر في بعض أحواله دون بعض؛ كالمسافر، والمريض؛ حين يكونُ الفطرُ في رمضان في حقهما رخصةً، وقد يكونُ واجبًا إذا شقَّ عليهما الصومُ ولحقهما منه ضررٌ. والأصلُ في هذا كلِّه قوله صلى الله عليه وسلم:"دعوني ما تركتكُم؛ إنما أهلكَ مَن كان قبلَكُم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكُم عن شيء فاجتَنبوه، وإذا أمرتُكُم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطَعتُم" [60] .
وكذا النصوصُ الشرعية الأُخرى التي فيها التأكيدُ على مراعاة المصالح والمفاسدِ؛ مثل أن يكونَ فعلُ الشيء سنَّة، ويُترك لما يُخاف من ترتُّب مفسدةٍ عليه؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم لعائشةَ رضي الله عنها:"لولا أن قَومَكِ حَديثُو عَهْدٍ بجاهِليَّة - أو قال: بكُفْر - لأنفَقْتُ كنزَ الكعبةِ في سَبيلِ الله، ولجَعَلتُ بابَها بالأرضِ، ولأدخَلتُ فيها من الحِجْرِ" [61] .
وعلى هذا يُحمل ما رواه سالمُ بن أبي الجَعْد عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: أتاه رجلٌ فقال: يا أبا عباس، أرأيتَ رجلًا قتل مؤمنًا متعمِّدًا، ما جَزاؤه؟ قال: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ...} [النِّسَاء: 93] . قال: أرأيتَ إن تاب وآمنَ وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ فقال: وأنَّى له التوبةُ؟ ثَكِلَتْكَ أمُّك! إنه يجيءُ يومَ القيامة آخذًا برأسه تَشْخَبُ أوداجُهُ حتى يقفَ به عندَ العرشِ فيقولُ: يا ربِّ، سَلْ هذا فيم قتلني [62] ؟!. اهـ.