أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقول: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون. ويقول: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون. ويرون أنه قد جاء الفرج فيذبح الموت ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، فازداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وازداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم [رواه أحمد والبخاري] ، وزاد ابن أبي الدنيا: (فيأمن هؤلاء، وينقطع رجاء هؤلاء) .
واعلم أخي الحبيب أن الجنة لا تُنال بالأماني واتباع الهوى، ولا سبيل إليها ولو تمنى المتمنون إلا بطاعة الله ورسوله، قال /: {كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى} قالوا: ومَن يأبى يا رسول الله؟ قال: {مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى} . واحذر من نفسك فإنها عقبة كؤود، وفي هذه العقبة أودية وعقبات ولصوص يقطعون الطريق على السالكين ولا سيما أهل الليل المدلجين، فإذا لم يكن معهم عُدة الإيمان ومصابيح اليقين تعلقت بهم تلك القواطع، وفي الحديث: {مَنْ خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا سلعة الله الجنة} [رواه الترمذي] ، وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به الصياح والتخذيل والتخويف، فإذا لم يلتفت إليه وبلغ قلته انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانًا ورأى طريقًا واسعًا آمنًا يفضي به إلى أعلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام وفيه الإقامات قد أعدت لركب الرحمن، فما بينك وبينها إلا قوة العزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس ودعاء عريض، والكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
قد هيؤك لأمر لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
واعلم أن سلعة الله غالية، وأن دونها أهوال وكروب وهموم، ففي الحديث: {حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات} فحفت الجنة بالمكاره والأعمال الشاقة من فعل الخيرات وترك المحرمات ولكن داخلها فيه من اللذات والمسرات ما