فلَمَّا صَحَّ هذا - كُلُّه - بنَصِّ القرءان، إذْ مَنِ اجتنبها أدخله الله مدخلاً
--------------------
= وصرَّح ابن حزم في «المحلَّى» (٨١) ؛ بحصر الكبيرة فيما جاء فيه الوعيد بالنار؛
فقال: والمعاصي كبائر فواحش، وسيئات صغائر ولمم، واللَّمم مغفور جملة،
فالكبائر الفواحش هي ما توعد الله تعالى عليه بالنار في القرءان أو على لسان رسوله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن اجتنبها غفرت له جميع سيئاته الصغائر... وبالضرورة نعرف أنه لا يكون
كبيراً إلا بالإضافة إلى ما هو أصغر منه، لا يمكن غير هذا أصلاً، فإذا كان العقاب
بالغاً أشد ما يتخوف فالموجب له هو كبير بلا شك، وما لا توعد فيه بالنار فلا
يلحق في العظم ما توعد فيه بالنار، فهو الصغير بلا شك، إذ لا سبيل إلى قسم
ثالث.
قلت: معرفة الكبيرة غير منحصرة فيما ذكر، بل قد تعرف بأدلة أخرى، منها الوعيد
الشديد بعقوبة - وإن لم تكن ناراً -، وقد احتج ابن حزم - نفسه - على أن عدم تسوية
الصفوف، وأن رفع البصر إلى السماء في الصلاة أو الدعاء من الكبائر؛ للوعيد الشديد
الذي ورد في كلِّ واحد منهما. ولهذا ضبط بعضهم الكبيرة بكلِّ ذنب قرن به وعيدٌ أو
لعنٌ. نقله ابن حجر في: «الفتح» ؛ وقال: وهذا أشمل من غيره، ولا يرد عليه إخلاله
بما فيه حدٌّ؛ لأن كل ما ثبت فيه الحدُّ لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل
فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقاً، والمتضايقة إذا تضيَّقت... وقال: ومن أحسن
التَّعاريف قول القرطبيِّ في «المفهم» : كل ذنب أطلق عليه بنصِّ كتاب أو سنة أو
إجماع؛ أنه كبيرة أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحدُّ، أو شدد
النَّكير عليه؛ فهو كبيرة.
وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن حدِّ الكبائر، وعن صحة قول من قال: إنها سبع أو
سبعة عشر، أو إنها ما اتفقت فيها الشرائع؛ أعني على تحريمها، أو إنها ما تسدُّ باب
المعرفة بالله، أو إنها ما تذهب الأموال والأبدان، أو إنها إنما سميت كبائر بالنسبة
والإضافة إلى ما دونها، أو إنها لا تعلم أصلاً وأبهمت كليلة القدر، أو يحكي بعضهم
أنَّها إلى التسعين أقرب، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، أو أنها ما رتب عليها
حدٌّ، أو ما توعد عليها بالنار؟ فقال - رحمه الله -: أمثلُ الأقوال في هذه المسألة
القول المأثور عن ابن عباس - وذكره أبو عُبيد، وأحمد بن حنبل، وغيرهما - وهو:
أنَّ الصَّغيرة ما دون الحدَّين: حدِّ الدُّنيا، وحدِّ الآخرة. وهو معنى قول من قال: ما
ليس فيها حدٌّ في الدُّنيا. وهو معنى قول القائل: كلُّ ذنب خُتِمَ بِلَعْنَةٍ، أو غضب، أو
نار؛ فهو من الكبائر. ومعنى قول القائل: وليس فيها حدٌّ في الدُّنيا، ولا وعيدٌ في
الآخرة؛ أي: وعيدٌ خاصٌّ، كالوعيد بالنَّار، والغضب، واللَّعنة. وذلك لأنَّ الوعيدَ
الخاصَّ في الآخرة كالعقوبة الخاصَّة في الدُّنيا. فكما أنَّه يُفَرَّقُ في العقوبات المشروعة
للنَّاس بين العقوبات المقدَّرة بالقطع والقتل وجلد مئة أو ثمانين، وبين العقوبات التي=