مناظرة كثيرة من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية فإنهم عظموه وعرف النصارى قدره فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا ففطن لمكرهم فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه ففعل نقيض ما قصدوه ولما جلس وكلموه أراد بعضهم القدح في المسلمين فقال له ما قيل في عائشة امرأة نبيكم يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقوله من الرافضة أيضا فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا مريم وعائشة فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج فأبهت النصارى
2 57 وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم فثبوت كذب القادحين في عائشة أولى ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين ومحاسن إحداهما أكثر وأعظم ومساويها أقل وأصغر فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك أعظم كقوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ثم قال وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل سورة البقرة فإن الكفار عيروا سرية من سرايا المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام فقال تعالى هذا كبير وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة
2 58 والسعادة إلا به وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هو أعظم من انتهاك الشهر الحرام لكن هذا النوع قد اشتملت كل من الطائفتين فيه على ما يذم وأما النوع الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم بل هناك شبه في الموضعين وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر وشبهته أضعف وأخفى فيكون أولى بثبوت الحق ممن تكون أدلته أضعف وشبهته أقوى وهذا حال النصارى واليهود مع المسلمين وهو حال أهل البدع مع أهل السنة لا سيما الرافضة وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر وعلي فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان على وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة فإذا
2 59 قالت له الخوارج الذين يكفرون عليا أو النواصب الذين يفسقونه إنه كان ظالما طالبا للدنيا وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه فهذا الكلام إن كان فاسدا ففساد كلام الرافضي في أبي بكر وعمر أعظم وإن كان ما قاله في أبي بكر وعمر متوجها مقبولا فهذا أولى بالتوجه والقبول لأنه من المعلوم للخاصة والعامة أن من ولاه الناس باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدا لا بسيف ولا عصا ولا أعطى أحدا ممن ولاه مالا واجتمعوا عليه فلم يول أحدا من أقاربه وعترته ولا خلف لورثته مالا من مال المسلمين وكان له مال قد أنفقه في سبيل الله فلم يأخذ بدله وأوصى أن يرد إلى بيت مالهم ماكان عنده لهم وهو جرد قطيفة وبكر وأمة سوداء ونحو ذلك حتى قال عبدالرحمن بن عوف لعمر أتسلب هذا آل أبي بكر قال كلا والله لا يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا وقال يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك