فالضرر الحاصل من امتداد أغصان شجرة جاره إلى ملكه إذا رفعه بقطع الأغصان في حين أنه يمكنه إزالة هذا الضرر بتحويل الأغصان لى ناحية أخرى يعتبر صورة من صور التعسف في استعمال الحق، وكذلك إذا رفعه بإتلاف الشجرة نفسها في حين أنه كان يمكنه رفعه بقطع الأغصان فقط - بعد امتناع صاحب الشجرة عن تحويل أغصانها إلى ناحية أخرى - كان ذلك أيضًا صورة من صور التعسف في استعمال الحق.
مستند هذا الضابط:
يمكن أن يستند هذا الضابط على منع الضرر في الشريعة الإسلامية كما هو نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله (لا ضرر ولا ضرار) ففي هذا الحديث -كما يقول- الشوكاني دليل على تحريم الضرار على أي صفة كان من غير فرق بين الجار وغيره فلا يجوز في صورة من الصور إلا بدليل يخص به هذا العموم، فعليك بمطالبة من جوز المضارة في بعض الصور بالدليل، فإن جاء به قبلته، وإلا ضربت بهذا الحديث وجهه. فإنه قاعدة من قواعد الدين، تشهد له كليات وجزئيات. انتهى كلام الشوكاني [1]
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه قال (من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه) [2] .
وقد اختلف العلماء في معنى كل من الضرر والضرار، فمن العلماء من يذهب إلى أن الضر هو أن تضر غيرك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع، ومنهم من يرى أن الضرار هو الجزاء على الضر وأما الضرر فهو في الابتداء، ومن العلماء من يرى أن الضرر والضرار بمعنى واحد [3] .
الضابط الثالث: أن تكون المصالح التي يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة:
إذا قصد الشخص باستعماله لحقه مصلحة غير مشروعة كان بهذا متعسفا في استعمال حقه، فالجار الذي يجعل بيته مأوى للصوص يهددون جيرانه، ويسطون عليهم من منزله قد تعسف في استعمال حقه.
مستند هذا الضابط:
يمكن أن يستند هذا الضابط إلى القياس، فقد ورد في الشرع تحريم استعمال الإنسان لحقه المشروع في بعض الأمور إذا قصد بها تحقيق غرض غير مشروع، فمع أن الزواج مثلا في الأصل عمل مشروع فإن الشرع حرم زواج التحليل، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله
(1) نيل الأوطار للشوكاني ج5 ص259، 261.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.