الصفحة 19 من 28

ونحن لا نرى مبررا للتفريق في الحكم بين القديمة والحديثة فما دامت المناور لا يقصد بها الإضرار بالجار بالاطلاع على حرماته، بل هي من الارتفاع عن قامة الإنسان العادي، ولا يقصد منها إلا مرور الهواء أو الضوء أو الشمس فلا مانع من السماح بها، وأما إذا ثبت أن لجار قد قصد بهذه المناور أن يطلع على جاره، أو اتخذها وسيلة لذلك، أو لإلقاء مخلفات منزله في ملك جاره، فإنه بذلك يكون قد استعملها في غير الغرض الذي يجب أن تقصد له، فيحق للجار حينئذ أن يطالب بسدها كما هو الحال في القانون [1] .

وهذا رأي أيضًا تتحقق به الملاءمة بين ما يراه الفقهاء الشافعية والظاهرية وبعض الحنفية وهو الفتح على الإطلاق، وما يراه فقهاء المالكية وهو تقييد جواز الفتح بحالة خاصة.

ولننتقل الآن إلى ذكر صور أخرى للمصالح التي لا تتناسب مع ضرر الغير.

من هذا أيضًا ما إذا أراد شخص تنفيض سجاجيده أو حصره أو ما ماثلها على باب منزله وكان الغبار المنفصل منها يضر بأجسام المارة أو بملابسهم، فقد نقل الشيخ محمد عرفة الدسوقي من كبار علماء المالكية عن ابن حبيب من كبار علمائهم أيضًا أنه: يمنع الشخص من تنفيض الحصر ونحوها على باب داره إذا أضر الغبار بالمارة، ولا حجة له أنه إنما فعله على باب داره [2] .

ويدخل في هذا الضابط أيضًا ما إذا أراد شخص أن يدفع بتصرفه ضررا خفيفا فترتب على هذا التصرف ضرر أعظم من الضرر الذي قصد أن يدفعه، كما إذا امتدت أغصان شجرة يملكها شخص في هواء ملك جاره فإنه يجب على مالك الشجرة أن يزيل تلك الأغصان الممتدة إلى ملك جاره بإحدى وسيلتين: أما بردها إلى ناحية أخرى وإما بقطعها، وذلك لأن الهواء يملكه صاحب القرار فوجب عليه أن يزيل ما يشغله من ملك غيره كالقرار سواء بسواء.

فإذا امتنع مالك الشجرة عن إزالة أغصانها أجبر على إزالتها، قياسا على الحيوان إذا دخل دارا غير دار صاحبه فإن لصاحب الدار التي دخلها حق إخراجه، وغاية الأمر أن الجار إذا أمكنه أن يزيل الأغصان من غير إتلاف ولا قطع للأغصان بدون مشقة يتحملها أو غرامة يتكلفها لم يجز له حينئذ إتلافها قياسا على دخول الحيوان دارا لغير صاحبه فلصاحب الدار التي دخلها أن يخرجه بدون إتلافه ما دام قد أمكنه ذلك، فإذا أتلفه وكان باستطاعته تلافي هذا الاتلاف كان ضامنا لما أتلفه، وأما إذا لم يمكنه إزالة الأغصان إلا بالإتلاف فله الحق في ذلك قرر ابن قدامة هذا الحكم ثم قال: ولا شيء عليه فإنه لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه [3] .

(1) حق الملكية للدكتور عبد المنعم الصدة ص151، وحق الملكية في المدني المصري للدكتور منصور مصطفى منصور ص 94.

(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأحمد الدردير ج3 ص332.

(3) المغني لابن قدامة ج5 ص21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت