وكان اختيار لقب"خليفة"وإطلاقه على أول رئيس للدولة الإسلامية -أبى بكر الصديق رضى الله عنه- الهدف منه ، التمييز بين هذا النظام الذى أقامه المسلمون وبين أنظمة الحكم التى كانت سائدة في العالم آنئذ، لقد كانت هذه الأنظمة تقوم على القهر والجبروت ، وتستعبد الشعوب وتستغلها وتحرمها من أبسط حقوقها، بينما جاء النظام الإسلامى ليكون جديدا في جوهره وغاياته فهو يرفض القهر والظلم ، ويقوم على قواعد الحرية والمساواة والعدل والاعتداد برأى الأمة؛ ولهذا كان هذا اللقب تأكيدا لحقيقة مهمة هى أن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر وباق في أمته ، وأن أبا بكر إنما يخلف محمدا صلى الله عليه وسلم في التنفيذ والتطبيق ورعاية مصلحة الأمة، وليس في الإضافة إلى الدين أو الانتقاص منه.
نرى كل هذه الحقائق واضحة في ذهن كل من عرض لموضوع"الخلافة"الذين قدموا لها تعريفات توضح جوهر النظام الإسلامى وغاياته ، ولعل من أبرزها تعريف"ابن خلدون"الذى عبر عن ماهيتها بقوله:"الخلافة هى حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها ، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهى في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به".
لقد كان اختيار المسلمين لخليفتهم الأول رضى الله عنه ، بناء على قاعدة الشورى، وتحددت مهمته في قيادة المسلمين ، ورعاية مصالح الناس ، وتنفيذ شرع الله عز وجل ، واشترط العلماء فيمن يلى هذا المنصب شروطا منها الكفاية والعدل وصحة البدن والعقل... الخ.
واستمر اختيار الخلفاء وفقا لهذه الشروط طوال عصر الراشدين ، ثم حدث تحول ابتداء من العصر الأموى، فتركت الشورى، واعتمد نظام الغلبة والتوارث ، وبعد أن كانت الخلافة اختيارا اصبحت قهرا وإجبارا ، تقترب أو تبتعد عن قيم الإسلام ومبادئه ، وتتفق معه في قليل أو كثير إلى أن تم إلغاؤها تماما كما أسلفناه.