فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 1363

وقال صلى الله عليه وسلم:"ما أوتي قوم الجدل إلا ضلوا".

وقال:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محًا".

جاء رجل لمالك رحمه الله فقال: أريد أن أجادلك! فقال له مالك: إن غلبتني؟ قال: تتبعني؛ قال: إن غلتبك؟ قال: أتبعك؛ قال: فإن جاء ثالث فغلبنا؟ قال: نتبعه؛ فقال له مالك: أنت ليس لك دين.

مراد مالك أن المسلم الذي وفقه الله لاتباع الحق ليس له مجال لتركه أبدًا، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

ولهذا جاء في الأثر: ما خاصم تقي قط.

الثلاثون: حب العلماء وعدم تتبع زلاتهم والحرص على عدم انتقاصهم

المراد بذلك علماء أهل السنة والجماعة، ولا يدخل في ذلك المنتسبين إلى العلم من أهل الأهواء ولا علماء السوء.

لا لأنهم فوق النقد والجرح، ولكن لمكانتهم في نفوس أتباعهم، ولتجاوزهم للقنطرة، وكما قيل: إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل الخبث؛ ومن ذلك عدم نشر زلاتهم وتقليدهم فيها، ولا يعني ذلك تقليدهم في كل ما يقولون والتعصب لأقاويلهم وإن خالفت الدليل.

يتأكد النهي عن الطعن في العلماء من صغار الطلاب وأتباع المشايخ، وينبغي لشيوخهم أن يحذروهم عن ذلك تحذيرًا شديدًا، وأن يمنعوهم من الخوض في ذلك منعًا باتًا.

وليحذر الذين يطلقون ألسنتهم بالسب، والشتم، والانتقاص لأهل العلم من قول الله عز وجل:"والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا".

ومن قوله صلى الله عليه وسلم:"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"الحديث.

والأولياء هم العلماء، إذ حاشا الله أن يتخذ وليًا جاهلًا.

قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه"التبيان": (قال الإمامان الجليلان أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله:"إن لم يكن العلماء هم أولياء الله فليس لله ولي"، وفي لفظ:"إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي".

ورحم الله الحافظ أبا القاسم بن عساكر حين قال: (اعلم يا أخي، وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب) .

هذه الكلمة ينبغي أن تكتب بماء الذهب، وأن يعيها طلاب العلم ويرعوها.

روى البيهقي في"السنن الكبرى"عن أبي أمامة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من توقير جلال الله: ذو الشيبة في الإسلام، وحامل كتاب الله عز وجل، وحامل العلم من كان صغيرًا أوكبيرًا".

نماذج من توقير السلف لعلمائهم

• قال الشعبي: أخذ ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، وقال: هكذا يصنع بالعلماء.

• وقال أيوب عن مجاهد أن ابن عمر أخذ له - أي لزيد - بالركاب.

• وأخذ الليث بركاب الزهري.

• وقال الثوري عن مغيرة: كنا نهاب إبراهيم - النخعي - كما نهاب الأمير.

• وكذلك كان أصحاب مالك مع مالك، ولذلك قال الشاعر:

يدع الجوابَ فما يراجَع هيبة والسائلون نواكس الأذقان

أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو الأمير وليس ذا سلطان

• وقال الربيع المرادي تلميذ الشافعي: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر هيبة له.

• وقال الشافعي: إذا رأيتَ رجلًا من أصحاب الحديث فكأنما رأيتَ رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

• وقال الفضيل بن عياض: ارحموا عزيز قوم ذلَّ، وغني قوم افتقر، وعالمًا بين جهال.

• أخذ أحمد بركاب الشافعي ومشى راجلًا مودعًا له.

• وقال أبو داود صاحب السنن: ما لعنتُ أحدًا قط إلا أحدًا سمعته ينتقص مالكًا.

• وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه:

ومنزلة الفقيه من السفيه كمنزلة السفيه من الفقيه

فهذا زاهد في قرب هذا وهذا فيه أزهد منه فيه

إذا غلب الشقاء على السفيه تنطع في مخالفة الفقيه

• وأمر أحمد رحمه الله بهجر من انتقص مالكًا رحمه الله.

الحادية والثلاثون: النصح لكل مسلم

من علامات أهل السنة إسداء النصيحة لكل مسلم حسب الطاقة، مع مراعاة الحكمة، والموعظة الحسنة، والرفق، والتلطف، لقوله صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة"، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال:"لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".

وحاجة المسلمين عامة والمسؤولين خاصة للمناصحة أشد من حاجتهم للأكل والشرب، وكان السلف الصالح يدعون لمن أسدى إليهم نصيحة، كما قال عمر:"رحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي".

فالحذر أخي المسلم من الاستنكاف والاستكبار من قبول النصيحة من أي جهة جاءتك.

الثانية والثلاثون: الوسطية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت