قال القرطبي: (قال ابن العربي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا.."الآية:(وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل، قال ابن خويزمنداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمنًا كان أوكافرًا، قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم، ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم، وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني كلمة، فأعرض عنه، وقال: ولا نصف كلمة؛ ومثله عن أيوب السختياني، وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له؛ وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام"، فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة إن صانوا أسماعهم) .
السادسة والعشرون: إذا ذكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها
السني يحب السنة ويبغض البدع المحدثات، ولا يغضب ويثور إذا ذكرت الأهواء وانتقدت، وإنما يغضب ويثور إذا غيرت السنن وأميتت، وحلت محلها البدع، وإذا انتهكت محارم الله عز وجل، والأهواء والبدع كلها ضلال وهلاك، وإن تفاوتت.
قال رجل لأبي بكر بن عياش: يا أبا بكر من السني؟ قال:"الذي إذا ذكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها".
لما بويع عمر بن عبد العزيز بالخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بمبتدع، ولكني متبع، ألا وإني لست بقاضٍ ولكني منفذ، ألا وإني لست بخازن ولكني أضع حيث أمرت، ألا وإني لست بخيركم ولكني أثقلكم حملًا، ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ ثم نزل.
ولهذا رثاه عروة بن أذينة قائلًا:
وأحييتَ في الإسلام علمًا وسنة ولم تبتدع حكمًا من الحكم أسمحًا
ففي كل يوم كنت تهدم بدعة وتبني لنا من سنة ما تهدم
وقال ابن المبارك رحمه الله: اعلم أخي! إن الموت كرامة لكل مسلم لقي الله على سنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وحشتنا وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الامة من ذهاب العلماء، وأهل السنة، وظهور البدع.
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله يكتب إلى عماله: إني أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة.
السابعة والعشرون: الخوف والحذر من البدع والمحدثات
لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الابتداع في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا، فقال:"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة"، وقال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
ولهذا كان مالك رحمه الله كثيرًا ما ينشد:
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
فالمبتدع في دين الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، أي لا فرضًا ولا سنة، والبدع درجات، منها ما هو كفر، ومنها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه، وكلها ضلال بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليس هناك بدعة حسنة وأخرى سيئة:"فكل بدعة ضلالة"شامل لجميع البدع، صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، فمن لم يسعه ما وسع رسول الله، وصحبه الكرام، والسلف العظام، والخلف، فلا وسع الله عليه.
ولهذا ينبغي للمسلم أن يفر من المبتدع أشد من فراره من الاسد، فضرر المبتدع على الدين الذي هو رأس مال المسلم.
الدين رأس المال فاستمسك به فضياعه من أعظم الخسران
فأهل البدع يستحقون الذل والإهانة، والبعد عنهم والتقرب إلى الله بلعنهم والترفع عليهم.
آثار وردت في ذم البدع والنهي عن مداخلة أصحابها والغضب عليهم
• عن الحسن قال: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادًا، صيامًا ولا صلاة، إلا ازداد من الله بعدًا.
• وقال أبو إدريس الخولاني التابعي: لأن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها أحب إليَّ من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها.
• وقال الفضيل بن عياض: اتبع طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين.
• وعن الحسن قال: لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك، أوتخالفه فيمرض قلبك.
• وقال أيوب السختياني: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا.
• وقال أبو قِلابة: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف.
• وكان الحسن البصري وأبو حنيفة يلعنان عمرو بن عبيد مع شهادتهما له بالزهد، فكان الحسن يقول: ما أزهده لعنه الله.