لقد كان للآثار الجانبية لكثير من الأدوية الكيميائية أثر في عودة الناس إلى الطبيعة، ليأخذوا منها أدويتهم، ويختاروا منها ما يتفق وفطرتهم التي فُطِروا وفُطِر أسلافهم عليها، فلا ينكر أحد الوصفات العلاجية من عناصر الطبيعة لكثير من الأمراض، التي ما زال السلف يورثون كيفية التعالج بها إلى الخلف، ولا يعدم المرء في أي مجتمع من المجتمعات مهما كانت درجة رقيه وتقدمه، من له علم ودراية وخبرة بكيفية التداوي بعناصر الطبيعة، من أعشاب أو زهور أو نباتات أو بذور أو نحوها، وكيفية إعدادها للتعالج بها من الأدواء المختلفة، وانطلاقًا من هذا الموروث الذي يعود إليه الكثيرون في زماننا، كان هذا المقال يتناول موقف الفقه الإسلامي من التعالج بأبوال الإبل، هذا الدواء الذي عرفه الأقدمون، وتعالجوا به من أدواء عدة، والذي عكف بعض الباحثين المعاصرين على استجلاء آثاره في المداواة من الأمراض، ومدى تأثيره في البدن المريض، ولقد كان للنتائج التي تمخضت عنها بحوثهم أثر في الوقوف على كثير من الجوانب العلاجية له؛ ولذا كان من المناسب بيان حكم التداوي بها من الأمراض التي تفيد فيها، بعد بيان حكم تناولها حال الاختيار، والأثر العلاجي لها من الأمراض.
حكم تناول أبوال الإبل حال الاختيار:
لا خلاف بين العلماء على أنه لا يباح تناول أبوال الحيوانات في حال الاختيار، سواء كانت مأكولة اللحم، ومنها الإبل، أو لم تكن، وسواء قيل بطهارتها أو نجاستها (1) .
استدل لحرمة تناول أبوال الحيوانات لغير ضرورة أو حاجة بما يلي:
السنة النبوية المطهرة: أحاديث منها:
1-روي عن أبي هريرة أن النبي قال:"استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" (2) .
وجه الدلالة منه:
أمر رسول الله بالتباعد عن البول والتحرز منه، والأمر بهذا يفيد وجوبه، وقد بين رسول الله أن البول يكون سببًا في عذاب من لا يستنزه منه، وأنه يعجل له به في قبره، وهذا العذاب لا يكون إلا على فعل أمر حرمه الشارع، وقد عم رسول الله في الأمر بالاستنزاه من البول، ولم يفصل بين نوع منه وآخر، وهذ يقتضي حرمة ملامسة البول أو ملابسته، وعدم التحرز منه مطلقًا، سواء كان بول آدمي أو غيره، وسواء كانت ملامسته للشرب أو لغيره، والتمسك بعموم هذا الحديث في الأبوال كلها أولى - كما قال العيني والبابرتي وابن حزم - (3) لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها لهذا الوعيد.
2-روي عن جسرة قالت: حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت:"دخلت على امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الثوب والجلد، فخرج رسول الله إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذه؟، فأخبرته بما قالت، فقال: صدقت، فما صلى بعد يومئذ إلا قال في دبر الصلاة: رب جبريل ورب ميكائيل واسرافيل أعذني من حر النار وعذاب القبر" (4) .
وجه الدلالة منه:
صدّق رسول الله هذه اليهودية فيما قالته، من أن عذاب القبر من البول، والبول في الحديث عام، فيشمل جميع الأبوال سواء كانت من آدمي أو غيره، وقد أفاد الحديث أن ملامسة البول وعدم التحرز منه في البدن والثوب يوجب استحقاق العذاب، فدل على حرمة تناوله لغير ضرورة أو حاجة.
3-ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"مر رسول الله بقبرين، فقال:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر كسرة، فقيل: يا رسول الله لم فعلت هذا؟، فقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا" (5) ."
وجه الدلالة منه:
بين رسول الله { في هذا الحديث أن عدم التوقي أو التحرز من البول كبيرة، وأنه يعجل لمرتكبها العذاب في قبره، وهذا يدل على حرمة ملابسة الأبوال عامة بأي وجه من الوجوه؛ لما يفيده عموم هذا الحديث، وقال ابن حزم:"افترض رسول الله على الناس اجتناب البول جملة، وتوعد على ذلك بالعذاب، وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه بول دون بول، ومن يدعي الخصوصية فيه يكون مدعيًا على الله تعالى وعلى رسوله ما لا علم له به بالباطل، إلا بنص ثابت، وقد وجدنا أن رسول الله سمى البول جملة، والنجو (6) جملة"الأخبثين"، والخبيث محرم، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول:"لا يصلي بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين" (7) ، وقد قال الله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث (157) الأعراف: 157} ، فصح أن كل أخبث وخبيث حرام (8) ."
اعترض على الاستدلال به ممن يرى طهارة أبوال الإبل:
أ- قال الصنعاني: إن الحديث نص في بول الإنسان؛ لأن الألف واللام في البول للعهد، أو هي عوض عن المضاف إليه، أي: عن بوله، ومن حمل الحديث في جميع الأبوال، وأدخل فيه أبوال الإبل فقد تعسف (9) .
ب - افترض ابن حزم اعتراضان على الاستدلال بعموم هذا الحديث في الأبوال كافة: