قال ابن مفلح: ويكره المشي في فردة نعل واحدة سواء كان في إصلاح الأخرى أولم يكن، نص عليه في رواية محمد بن الحسن والأثرم وجماعة، زاد في"الرعاية الصغرى": وقيل كثيرًا؛ ويكره المشي في نعلين مختلفين، ذكره صاحب التلخيص وابن تميم وابن حمدان.
لقد أجاز بعض أهل العلم المشي في نعل واحدة، منهم علي وعائشة.
فعن عائشة رضي الله عنها أنها مشت في خف واحد وقالت:"لأحْنِثَنَّ أبا هريرة، إنه قال: لا تمش في نعل واحدة ولا خف واحد"، والحديث يردُّ ذلك.
الانتعال قائمًا
اختلف أهل العلم في الانتعال قائمًا، فمنهم من كرهه ومنهم من أباحه، والراجح كراهية ذلك.
فعن جابر رضي الله عنهما:"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتعل الرجل قائمًا".
وروي موقوفًا ومرفوعًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كره أن ينتعل الرجل قائمًا.
وروى أبومحمد الخلال عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتعل قائمًا وقاعدًا.
الصلاة في النعال
لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة في النعال مخالفة لليهود، إذا كانت طاهرة وليس ثمة بسط، أما إن كانت غير طاهرة وكانت هناك بسط فلا يصلي فيها.
سُئل أنس رضي الله عنه:"أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم".
وصح عنه أنه قال:"إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم".
وتزال نجاسة النعل بدلكه بالأرض في أرجح قولي العلماء.
قال أبو العباس القرطبي في شرح حديث أنس هذا: هذا يدل على جواز الصلاة فيهما، وهو أمر لم يختلف فيه إذا كانت النعل طاهرة من ذكي، فإن تحقق فيها نجاسة مجمع على نجاستها، كالدم والعذرة من بول بني آدم، لم يطهرها إلا الغسل بالماء عندنا، وعند كافة العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفًا فيها كبول الدواب وأرواثها الرطبة، فهل يطهرها المسح بالتراب من النعل والخف أولا؟ قولان عندنا، وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبوثور، وقال أبوحنيفة: يزيله إذا يبس الحك والفرك، ولا يزيل رطبه إلا الغسل، ما عدا البول فلا يجزئ عنده فيه إلا الغسل؛ وقال الشافعي: لا يطهر شيئًا من ذلك كله إلا الماء؛ والصحيح قول من قال: بأن المسح يطهره من الخف والنعل، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري:"إذا جاء أحدكم المسجد فإن رأى في نعليه قذرًا أوأذى فليمسحه، وليصلِّ فيهما"، أخرجه أبوداود وهو صحيح، فأما لو كانت النعل أوالخف جلد ميتة، فإن كان غير مدبوغ فهو نجس باتفاق، ومختلف فيه إذا دبغ، هل يطهر طهارة مطلقة، أوإنما ينتفع به في اليابسات؟ روايتان عن مالك.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد سئل عن الصلاة في النعال ونحوه: أما الصلاة في النعل ونحوه مثل الجمجم، والمداس، والزربول، وغير ذلك فلا يكره، بل هو مستحب لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في نعليه، وفي السنن عنه أنه قال:"إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفهوهم"، فأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود، ومخالفة اليهود قربة.
وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين، وأما إذا تيقن نجاستها فلا يصلي فيها حتى تطهر.
لكن الصحيح أنه إذا دلك النعل بالأرض طهر بذلك كما جاءت به السنة، سواء كانت النجاسة عذرة أوغير عذرة، فإن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له، فهو بمنزلة السبيلين، فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتًا بالسنة المتواترة فكذلك هذا.
وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة فيه، ولو تيقن بعد الصلاة أنه كان نجسًا فلا إعادة عليه في الصحيح، وكذلك غيره كالبدن، والثياب، والأرض .
أحذية جلود النمور
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود النمور وعن الركوب عليها، ويدخل في ذلك انتعالها، فعن معاوية رضي الله عنه قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمار وعن لبس الذهب إلا مقطمًا".
وعند أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر".
قال الدُّمَيْري في حياة الحيوان: قال الشيخ أبوعمرو بن الصلاح في الفتاوى: جلد النمر نجس كله قبل الدباغ سواء كان مذكى أم لا، فيمتنع استعماله امتناع نجس العين، ومعنى هذا أنه يحرم استعماله قطعًا فيما يجب فيه مجانبة النجاسة من صلاة وغيرها.
وهل يحرم على الإطلاق؟ فيه وجهان، وأما بعد الدبغ فنفس الجلد طاهر والشعر الذي عليه نجس، تبعًا لأصله، ولأجل انه غالب ما يستعمل منه، ورد الحديث بالنهي عنه مطلقًا، وفي حديث آخر:"لا تركبوا النمور"، وفي حديث آخر:"نهى عن جلود السباع أن تفترش"، ولا شك أن النمر من السباع، فهذه الأحاديث قوية معتمدة، والتأويل المتطرق إليها غير قوي، وإذا وجد الموفق مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المضطرب فهو ضالته، ومستروحه لا يرى عنه عدلًا.