قال ابن عبد البر رحمه الله: واختلف الفقهاء أيضًا بعد ما ذكرنا في حكم طهارة الجلد المذكور بعد الدباغ هل هي طهارة كاملة في كل شيء كالمذكى أوهي طهارة ضرورة تبيح الانتفاع في شيء دون شيء؟ فذكر أبو عبد الله محمد بن نصر قال: وإلى جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ في كل شيء من البيع وغيره، وكراهية الانتفاع بها قبل الدباغ ذهب أكثر أهل العلم من التابعين، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري وعامة علماء الحجاز.
قال أبو عمر بن عبد البر: قوله أطلق الانتفاع بها في كل شيء - يعني الوضوء فيها والصلاة فيها، وبيعها وشراءها، وسائر وجوه الانتفاع بها، وبثمنها، كالجلود المذكاة سواء، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث، وممن قال بها الثوري، والأوزاعي، وعبد الله بن الحسن العنبري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول داود بن علي، والطبري، وإليه ذهب ابن وهب صاحب مالك، كل هؤلاء يقولون: دباغ الإهاب طهوره للصلاة والوضوء والبيع وكل شيء.
إلى أن قال: قال ابن وهب: وأخبرنا محمد بن عمرو عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الفرو من جلود الميتة يصلي فيها؟ قال: نعم، وما بأسه وقد دُبغ؟
قال ابن وهب: وسمعت الليث بن سعد يقول: لا بأس بالصلاة في جلود الميتة إذا دبغت، ولا بأس بالنعال من الميتة إذا دبغت، ولا بأس بالاستسقاء بها، والشرب منها، والوضوء فيها.
كرهت عائشة رضي الله عنها لباس الفراء من جلود الميتة ولو دبغت.
عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال لعائشة: ألا نجعل لك فروًا تلبسينه؟ قالت: إني أكره جلود الميتة؛ قال: إنا لا نجعله إلا ذكياُ، فجعلناه فكانت تلبسه.
وكذلك روى نافع عن ابن عمر أنه كان لا يلبس إلا ذكيًا.
فراء وقلاسي وطواقي الثعالب
ذهب أهل العلم في حل فراء وقلاسي - القلانس - وطواقي الثعالب مذهبين:
1.جلود الثعالب إذا ذكيت أوماتت ودبغت طهرت، وهذا قول من يقول إن جلود السباع إذا دُبغت حلت سواء ذكيت أوماتت، ولهذا فهم يجوزون لبس فراء الثعالب والقلانس والطواقي"الكوفيات"التي تصنع منها، سيما إذا دعت الضرورة لذلك كما هو الحال في مناطق سيبيريا ونحوها، حيث تبلغ درجة الحرارة في الشتاء 50 درجة تحت الصفر، وقد علمت من بعض طلاب تلك المناطق أنه ليس هناك أدفأ من جلود الثعالب لتغطية الرأس، وهذا مذهب المالكية ومن وافقهم.
2.جلود الثعالب كغيرها من السباع لا تطهر بتذكية ولا دباغ، ولهذا لا يحل استعمالها.
قال ابن عبد البر: قال ابن القاسم: أما جلد السبع والكلب إذا ذكي فلا بأس ببيعه والشرب فيه، والصلاة به.
قال أبوعمر بن عبد البر: الذكاة عند مالك وابن القاسم عاملة في السباع لجلودها، وغير عاملة في الحمير والبغال لجلودها، والنهي عند جمهور أهل العلم في أكل كل ذي ناب من السباع أقوى من النهي عن أكل لحوم الحمر، لأن قومًا قالوا: إن النهي عن الحمر إنما كان لقلة الظهر، وقال آخرون: إنما نهى منه عن الجلالة، ولم يعتل بمثل هذه العلل في السباع.
وقال عبد الملك بن حبيب - المالكي: لا يحل بيع جلود السباع ولا الصلاة فيها، وإن دبغت، إذا لم تذك، قال: ولو ذكيت جلودها لحل بيعها، والصلاة فيها.
إلى أن قال: وقال الشافعي: جلود الميتة كلها تطهر بالدباغ، وكذلك جلد ما لا يؤكل لحمه إذا دبغ إلا الكلب والخنزير، فإن الذكاة والدباغ لا يعملان في جلودهما شيئًا.
إلى أن قال: وحكي عن أبي حنيفة: أن الذكاة عنده عاملة في السباع والحمر لجلودها، ولا تعمل الذكاة عنده في جلد الخنزير شيئًا، ولا عند أحد من أصحابه.
وكره الثوري جلود الثعالب، والهر، وسائر السباع، ولم ير بأسًا بجلود الحمير.
قال أبو عمر: هذا في الذكاة دون الدباغ، وأما الدباغ فهو عنده مطهر لجلود الثعالب وغيرها.
وقالت طائفة من أهل العلم: لا يجوز الانتفاع بجلود السباع لا قبل الدباغ ولا بعده، مذبوحة كانت أوميتة، وممن قال هذا القول الأوزاعي، وابن المبارك، وإسحاق، وأبوثور، ويزيد بن هارون، واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أباح الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ إذا كان يؤكل لحمه.
وقال ابن مفلح: واختلف قول الإمام أحمد في جلد الثعلب، فعنه يباح لبسه والصلاة فيه، وعنه تصح الصلاة فيه مع الكراهة، وعنه يحرم لبسه والصلاة فيه.
الركوب على جلود النمور والتنعل بها
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركوب على جلود النمور واتخاذها نعالًا لما في ذلك من الخيلاء والزينة، فعن معاوية رضي الله عنه قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمار وعن لبس الذهب إلا مقطعًا".
قال الشوكاني رحمه الله: وإنما نهى عن استعمال جلوده لما فيه من الزينة والخيلاء، لأنه زي العجم، وعموم النهي شامل للمذكى وغيره.
الأحذية المصنعة من جلود الأصل والثعابين
الأصل جمع أصلة، وهي من أخبث أنواع الحيات.