فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 1363

فتبارك من تنبهر العقول عند التأمل لبعض صفاته المقدسة , وتشهد البصائر كماله وعظمته ولطفه , وخبرته بالغيب والشهادة والحاضر والغائب والخفي والجلي , ويرى تعالى خيانات العيون بلحظها , أي حين يلحظ العبد منظرا يخفيه على جليسه , فالله تعالى يراه في تلك الحالة التي يحرص على إخفاء ملاحظته عن كل أحد , ويرى تقلب الأجفان حين يقلبها الناظر من آدمي أو ملك أو جني أو حيوان ,وحين يطبقها ويفتحها . قال تعالى: [الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ] [ الشعراء: 218 - 219 ] . وقال تعالى: [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] [غافر:19]

صفة الرحمة: تشمل اسم الرحمن، والرحيم، والرءوف:

المفهوم من الرحمن نوع من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد بالإيجاد أولا ، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيا ،وبالسعادة في الآخرة ثالثا ،وبالإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعا .

وروى مسلم في صحيحه: [ خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً ] .

وقد ورد اقتران الرحمن والرحيم كثيرا في القرآن كما في البسملة والفاتحة ،وفي هذا الاقتران دلالة على سعة الرحمة وشمولها، كما في صحيح البخاري 'قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ] قُلْنَا: لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ: [ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا] .

وإن قام بقلبه شاهد الرحمة رأى الوجود كله قائما بهذه الصفة قد وسع من هي صفته كل شيء رحمة وعلما، وانتهت رحمته إلى حيث انتهى علمه،فاستوى على عرشه برحمته لتسع كل شيء ،كما وسع عرشه كل شيء.

ومعنى الرؤوف: ذو الرأفة وهي شدة الرحمة فهذا الاسم بمعنى الرحيم مع شدة المبالغة ،من رأفة الله أن يصون عباده عن موجبات عقوبته فإن العصمة من الزلل أبلغ في الرحمة من المغفرة للمعصية .

ومن رأفته ما شرعه من العقوبات لمن أخل بأمن المجتمع ، كجلد الزاني في قوله تعالى: [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ] [النور:2] . وقطع يد السارق في قوله تعالى: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ] [المائدة:38] .

ووجه الرأفة في هذا كله: هو أن الله تعالى يغفر لهم هذه الذنوب فلا يعاقبهم عليها في الآخرة كما في الحديث الذي رواه البخاري [َلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ] .

والوجه الآخر: أنه رحمة بالمجتمع المسلم حتى لا تنتشر فيه الجرائم والموبقات.

الحي القيوم:

الحي إذا أطلق على الله تعالى فمعناه كامل الحياة أي لم يزل حيا ولم يسبق ذلك عدم ولن يلحقه عدم ،فهي حياة أبدية ،بل لا يعتريها حتى مجرد النقص بالنوم .

والقيوم هو القائم بنفسه المستغني بصفاته ونعوت كماله فلا يحتاج لغيره، وهو المقيم لغيره فكل شيء محتاج له، فهو الغنى عن كل شيء في الوجود وكل الوجود محتاج له.

فالكون كله محتاج لقيومته وحياته الدائمة الكاملة ،فجميع الكائنات قائمة به وتدوم به وتبقى في الوجود به، ولو انقطع هذا الانتساب للحي القيوم طرفة عين لانمحى الوجود كله.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله واصفا حال العبد الذي يتعبد الله بالأسماء والصفات: [..ثم يُفْتَحُ له باب الشعور بمشهد القيومية فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده فيشهده مالك الضر والنفع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فيتخذه وحده وكيلا ويرضى به ربا ومدبرا وكافيا وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه وصفات كماله ونعوت جلاله فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت