فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 1363

فانظروا إلى ثمرة الإيمان كيف تثمر الأمن العظيم بأقل عدد، وانظروا إلى الكفر بالله عز وجل، وإلى أفعال الجبابرة والطواغيت الذين يريدون العلو والفساد في الأرض، كيف يدمرون الأمم والشعوب، وهذه الملايين من البشر تذهب ضحايا نزوات شخصية لطواغيت من البشر متألهين فأين هذا من ذاك.

العرب في الجاهلية اقتتلوا في حرب داحس والغبراء أربعين سنة، حتى تفانت عبس وذبيان، سبحان الله! وما هي داحس والغبراء؟! فرسان للسباق، اتهم كل فريق الطرف الآخر بأن هذه سبقت تلك؛ فتحاربت القبيلتان اللتان كانت منهما هذان الفرسان أربعين سنة.

وما عهد ذلك منكم ببعيد، أيضًا في الجاهلية الحديثة فإن دولتين من دول أمريكا الوسطى ، أظنها الدومينيكان والسلفادور ، اقتتلتا أيضًا ودامت الحرب بينهما، من أجل مباراة لكرة القدم.

الإنسان إذا فقد الإيمان وأخذ يرفع ويضخم التوافه ويعظمها في قلبه إلى حد أنه يقاتل من أجلها ويقتتل، فهو ذلك الإنسان الجاهلي، سواء كان قبل بعثة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم بعد بعثته.

فإذا فقد الإيمان فقد الأمن ولو لأتفه الأسباب، ولو لأحط الغايات وأدنى ما يستمتع به من الشهوات، فكيف تحقق الأمن في المجتمع المسلم؟ وكيف كان سلوك المؤمنين في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين تحقق بهم ذلك الأمن؟

مثال يوضح علاقة الأمن بالإيمان

الأمثلة كثيرة، ونضرب مثالًا واحدًا لعلاقة الأمن بالإيمان:

أم الخبائث هي: الخمر, وهي التي وراء كل جريمة، أو هي التي إذا شُربت فلتتوقع كل جريمة بعد ذلك، وليكن بعد ذلك ما يكون، وما المخدرات إلا فرع وتابع لها، والأمة التي تحارب الخمر بشدة لن تنتشر فيها المخدرات، بل الأمة التي تحارب التدخين بقوة وحزم لن ينتشر فيها الخمر، وبعد ذلك وأبعد منه المخدرات.

هذه الخمر لدينا فيها مثالان حقيقيان وواقعيان، ويغنيان عن كثير من الأدلة النظرية، لو تأملنا فيهما لعلمنا قوة العلاقة بين الأمن وبين الإيمان:

كان الناس يشربون الخمر في الجاهلية ثم نزل الإسلام بتحريمها بالتدريج، وكان الحكماء والعقلاء حتى في الجاهلية لا يشربون الخمر، ولا يشربها عاقل لا في جاهلية ولا في غيرها، والحكماء من العرب تعففوا عنها حتى في الجاهلية، وكان عدد من كبار الصحابة رضي الله عنه متعففًا عنها حتى قبل أن تحرم التحريم الكلي، وقد تدرج تحريمها، والشاهد أنه لما نزل التحريم الصريح في الآيتين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90-91] فلما نزلت فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وتلاها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه وتنادوا بها، وذهب وافدهم إلى من يشربها في منتدياتهم ومجامعهم: [[ألا إن الخمر قد حرمت -وإذا بأزقة المدينة تجري أنهارًا، فأريقت الخمر- وقال الصحابة انتهينا ربنا ] ] ولم يكن جوابهم إلا ذلك: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور:51] في كل زمان ومكان: أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] وإذا قيل: لهم انتهوا، فإنهم يقولوا: انتهينا، فانتهوا وأريقت، ولم يحتفظوا بها ويقول قائلهم: لن نشربها ولكن يمكن أن نبيعها على أحد من اليهود أو أهل الذمة، فما فكروا في هذا ولم يقولوا، أو يقل قائل منهم: لماذا لا نشربها في الخفاء ونبقيها، ولم يُشَكِّل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجنة للمراقبة تدخل البيوت وتحث على مراقبة الله تبارك وتعالى وعلى الخوف من الله تبارك وتعالى، فهؤلاء هم تربية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تربوا على مرتبة الإحسان: {أن تعبد الله تبارك وتعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك } فعلموا أن الله تبارك وتعالى عليهم رقيبًا، وأنه مطلع على أحوالهم، وأن مقتضى إيمانهم، بل من إيمانهم أن ينتهوا حيث نهاهم الله ورسوله، فانتهوا وانتهت الخمر، وما بقي إلا الشواذّ الذين لا تخلوا منهم أمة، ومع ذلك ممن أقيم عليه الحد من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شهد له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمحبة الله ورسوله فهو قد أخطأ وغلط نتيجة الضعف البشري الذي ينتاب كل إنسان، لكن لم يعد هناك منهج استحلال وإصرار وعناد لأمر الله ورسوله، والسبب أنهم لما كانوا مؤمنين حققوا ذلك.

ولنأخذ المثل الآخر من الأمة التي لا تؤمن بالله ورسوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت