وقوله: (( إذ خسف الله به ) )يدل على سرعة وقوع ذلك به . وقوله: (( فهو يتجلجل إلى يوم القيامة ) )وفي رواية الربيع عند مسلم: (( فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة ) ).
قال ابن فارس: التجلجل: أي يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ، ويندفع من شق إلى شق ، فالمعنى يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطربًا متدافعًا )) .
ومن الأدلة كذلك على ذم العجب حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ، فعن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية ؟ قال: أيّةُ آية؟ قال: قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [105: سورة المائدة] .
قال أبو ثعلبة: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( بل ائتمروا بينكم بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شَّحًا مطاعًا ، وهوىً متبعًا ، ودنيا مؤثَرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع العوامَّ ، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن كالقبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم ) ) [ رواه الترمذي وقال: حسن غريب وضعفه الألباني ] .
من أقوال السلف في ذم العجب
1-قال ابن مسعود رضي الله عنه: الهلاك في اثنين: القنوط والعجب ..
2-وكان بشر بن منصور من الذين إذا رءُوا ذُكِرَ الله تعالى والدار الآخرة ، لمواظبته على العبادة ، فأطال الصلاة يومًا ، ورجل خلفه ينتظر ، ففطن له بشر ، فلما انصرف عن الصلاة قال له: لا يعجبنك ما رأيت مني ، فإن إبليس لعنه الله قد عبد الله مع الملائكة مدة طويلة ، ثم صار إلى ما صار إليه .
3-وقيل لعائشة رضي الله عنها: متى يكون الرجل مسيئًا ؟ قالت: إذا ظن أنه محسن .
بين العُجب والكفر
وربما طغت آفة العجب على المرء حتى وصل به الحدّ إلى الكفر والخروج من ملة الإسلام ، كما هو الحال مع إبليس اللعين ، حيث أعجب بأصله وعبادته ، ودفعه ذلك إلى الكبر وعصيان أمر الرب تعالى بالسجود لآدم عليه السلام .
وحكى عمر بن حفص قال: قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق ؟ قال: خير منزل ، لو كان الله بلغني قتل أربعة ، فتقربت إليه بدمائهم . قيل: ومن هم ؟ قال: مقاتل بن مسمع وليّ سجستان ، فأتاه الناس فأعطاهم الأموال ، فما عُزل دخل مسجد البصرة ، فبسط له الناس أرديتهم ، فمشى عليها ، وقال لرجل يماشيه {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [61: سورة الصافات] .
وعبد الله بن زياد بن ظبيان التميمي ، خوّف أهل البصرة أمرًا فخطب خطبة أوجز فيها ، فنادى الناس من المسجد: أكثر الله فينا مثلك . فقال: لقد كلفتم الله شططًا !!
وأبو سمّال الأسدي أضل الله راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها فقال: والله إن لم يَرُد إليًّ راحلتي لا صليت له صلاة أبدًا ، فالتمسها الناس فوجدوها ، فقالوا له: قد ردًّ الله عليك راحلتك فصلِّ ، فقال: إن يميني يمين مُصِرِّ !
قال الماوردي: فانظر إلى هؤلاء كيف أفضى بهم العجب إلى حمق صاروا به نكالًا في الأولين ، ومثلًا في الآخرين ، ولو تصور المعجب والمتكبر ما فطر عليه من جِبِلّة ، وبُلي به من مهنة لخفض جناحه لنفسه ، واستبدل لينًا من عُتوه ، وسكونًا من نفوره ، وقال الأحنف بن قيس: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر ؟!
يا مظهرَ الكبر عجابًا بصورته *** انظر خلاك فإن النتن تثريب
لو فكر الناس فيما في بطونهم *** ما استشعر الكبر شبان ولا شيب
هل في ابن آدم مثل الرأٍس مكرُمةً *** وهو بخمس من الأقذار مضروب
أنف يسيل وأذن ريحها سهك *** والعين مرفضة الثغر ملعوب
يابن التراب ومأكول التراب غدًا *** أقصر فإنك مأكول ومشروب
علاقة العجب بالكبر والإدلال
قال ابن قدامة: اعلم أن العجب يدعو إلى الكبر ، لأنه أحد أسبابه ، فيتولد من العجب الكبر ، ومن الكبر الآفات الكثيرة وهذا مع الخلق .
فأما مع الخالق فإن العجب بالطاعات نتيجة استعظامها فكأنه يمنّ على الله تعالى بفعلها ، وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها ، ويعمى عن آفاتها المفسدة لها ، وإنما يتفقد آفات الأعمال من خاف ردها ، دون من رضيها وأعجب بها .
وقال أبو حامد: والإدلال وراء العجب ، فلا مدلّ إلا وهو معجب ، وربّ معجب لا يدلّ ، إذ العجب يحصل بالاستعظام ونسيان النعمة ، دون توقع جزاء عليه ، والإدلال لا يتم إلا مع توقع الجزاء ، فإذا توقع إجابة دعوته ، واستنكر ردها بباطنه ، وتعجب منه كان مدلاًّ بعلمه ، لأنه لا يتعجب من رد دعاء الفاسق ، ويتعجب من ردّ دعاء نفسه لذلك ، فهذا هو العجب والإدلال وهو من مقدمات الكبر وأسبابه .
أسباب العجب