فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 1363

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يعدِّد المشاهد المكذوبة:(وكذلك مشهد الرأس الذي بالقاهرة، فإن المصنفين في مقتل الحسين اتفقوا على أن الرأس لم يُعرف، وأهل المعرفة بالنقل يعلمون أن هذا أيضًا كذب، وأصله أنه نقل من مشهد بعسقلان، وذلك المشهد بني قبل هذا بنحو من ستين سنة، في أواخر المائة الخامسة، وهذا بني في أثناء المائة السادسة، بعد مقتل الحسين بنحو من خمسمائة عام، والقاهرة بنيت بعد مقتل الحسين بنحو من ثلاثمائة عام، وهذا المشهد بني بعد بناء القاهرة بنحو مائتي عام.

وقال كذلك: وأما المكذوب قطعًا فكثير، مثل قبر علي بن الحسين الذي بمصر، فإن علي بن الحسين توفي بالمدينة بإجماع الناس، ودفن بالبقيع، ويقال إن قبة العباس بها قبره، وقبر الحسن، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد، وفيها أيضًا رأس الحسين، وأما بدنه فهو بكربلاء باتفاق الناس، والذي صح ما ذكره البخاري في صحيحه من أن رأسه حُمِل إلى عبيد الله بن زياد، وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه، وقد شهد على ذلك أنس بن مالك، وفي رواية أخرى أبو برزة الأسلمي، وكلاهما كانا بالعراق، وقد روي بإسناد منقطع أومجهول أنه حُمل إلى يزيد، وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه، وأن أبا برزة كان حاضرًا، وأنكر ذلك، وهذا كذب، فإن أبا برزة لم يكن بالشام عند يزيد وإنما كان بالعراق).

خرَّج البخاري في صحيحه بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه:"أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي فجُعل في طَسْتٍ، فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوبًا بالوسمة".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (كان مولد الحسين في شعبان سنة أربع في قول الأكثر، ومات يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق، وكان أهل الكوفة لما مات معاوية واستخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته، فخرج الحسين إليهم، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فخذَّل غالب الناس عنه، فتأخروا رغبة ورهبة، وقتِل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له على الناس، ثم جهز إليه عسكرًا فقاتلوه إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته) .

وقال المناوي في فيض القدير:(لما مات معاوية أتته - أي الحسين - كتب أهل العراق إلى المدينة أنهم بايعوه بعد موته - أي معاوية - فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، فبايعوه، وأرسل إليهم فتوجه إليهم فخذلوه وقتلوه بها يوم الجمعة عاشر محرم سنة إحدى وستين.

إلى أن قال:

وطيف برأسه في البلدان إلى أن انتهت إلى عسقلان فدفنها أميره بها، فلما غلب الفرنج على عسقلان استفداها منهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمال جزيل، وبنى عليها المشهد بالقاهرة كما أشار إليه القاضي الفاضل في قصيدة مدح بها الصالح، ونقله عنه الحافظ ابن حجر، وأقره ولكن نازع فيه بعضهم بأن الحافظ أباالعلاء الهمداني ذكر أن يزيد بن معاوية أرسلها إلى المدينة، فكفنها عامله بها عمرو بن سعيد بن العاص ودفنها بالبقيع عند قبر أمه، وهذا أصح ما قيل.

وقال الزبير بن بكار: حُمل الرأس إلى المدينة فدفن بها، وقال القرطبي: والزبير أعلم بالنسب وأفضل العلماء بهذا السبب، والإمامية يقولون: الرأس أعيد إلى الحبشة ودفن بكربلاء بعد أربعين يومًا من القتل.

قال القرطبي: وما ذكر من أنه في عسقلان في مشهد هناك أوبالقاهرة فباطل لم يصح ولا يثبت.

إلى أن قال: وتفصيل قصة قتله تمزق الأكباد وتذيب الأجساد).

قلت: لقد أراد الله لهذا الإمام الشهادة ورفع الدرجة، وإلا فقد نهاه عن الخروج إلى العراق وحذره من خذلان الرافضة ابن عباس، وابن عمر، ومحمد بن الحنفية، وذكروه بخذلان الرافضة لأبيه وأخيه، ولكن كان أمر الله قدرًا مقدورًا، فإن الذين شهروا السلاح في وجهه وقتلوه ومن معه من آل بيته هم نفس الرافضة الذين كتبوا إليه مبايعين وواعدين بنصره.

فيا أسفًا على المصائب مرة - كما قال العلامة ابن العربي المالكي - ويا أسفًا على مصيبة الحسين ألف مرة، وإن بوله يجري على صدر النبي صلى الله عليه وسلم، ودمه يُراق على البوغاء ولا يحقن، يا لله ويا للمسلمين.

لقد ابتلي الرافضة ومن قلدهم بعبادة القبور المكذوبة، والمشاهد المدسوسة، على الرغم من الوعيد الوارد في ذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقوله:"اشتد غضب على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وغيرهما، فبجانب مشهد رأس الحسن المكذوب، فهم يعبدون قبر المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ظنًا منهم أنه قبر أمير المؤمنين علي، ولو علموا أنه قبر المغيرة لرجموه بالحجارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت