ويروى عن الحسن أنه قال: قال عمر: أعياني أهل الكوفة، فإن استعملت عليهم لينًا استضعفوه، وإن استعملتُ عليهم شديدًا شكوه، ولوددت أني أجد رجلًا قويًا أمينًا مسلمًا أستعمله عليهم، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنا والله أدلك على الرجل القوي الأمين المسلم؛ فأثنى عليه، قال: من هو؟ قال: عبد الله بن عمر؛ قال عمر: قاتلك الله ما أردتَ بها وجه الله"."
ولله در الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز فقد روي أنه كان جالسًا في بيته وعنده أشراف بني أمية، فقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندًا؟ فقال رجل منهم: لِمَ تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء، وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم، فكيف أوليكم ديني، أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم، هيهات؛ فقالوا له: لِمَ؟ أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجل من المسلمين حبسني عنه طول شقته.
لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل) .
وفي إعطائه ما يكفيه ويغنيه هو وعياله حماية له من الفساد، لهذا عندما ولي أبوبكر الخلافة ذهب إلى السوق، فقيل له في ذلك، فقال: من أين أنفق على عيالي؟ فجعلوا له ألفي درهم في العام، فقال: مايغنيني وعيالي؛ فجعلوها ألفين وخمسمائة درهم.
فالموظف إن لم يُعط ما يكفيه تاقت نفسه إلى الحرام، إلى الرشوة واستغلال الجاه، إلا أن يكون ذا نفس أبية وأخلاق مرضية، فمطالبة المسؤول أوالموظف بالعفة والأمانة مع علم الجميع أن ما يُعطى من معاش لا يفي بمعشار ما يحتاجه هو وعياله من باب المطالبة بما لا يُطاق، وليس لهذا مثل إلا قول القائل:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
مع حسن الاختيار والتحري في ذلك، وإعطاء المسؤول ما يغنيه لابد من المراقبة والمتابعة المستمرة والمحاسبة الدقيقة، هذه المراقبة والمحاسبة والمتابعة من أوجب واجبات المسؤولين نحو الرعية.
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن اللتبية - وقد اصطفاه اصطفاءً - عندما بعثه مصدقًا على بني سُلَيم، كما خرَّج البخاري بسنده في صحيحه عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا على صدقات بني سُليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا ما لكم، وهذا هدية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فهلا جلستَ في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟"، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أوبقرة لها خُوار، أوشاة تَيْعَر"، ثم رفع يديه حتى رؤي بيا ض إبطه يقول:"اللهم هل بلغت؟ بصر عيني وسمع أذني".
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، وكذلك كان أبوبكر وعمر رضي الله عنهما، ثم امتنع عمر عن قبول الهدية، وكتب إلى عماله أن لا يقبلوا هدية، ذلك أن جزارًا كان يهدي إلى عمر فخذ جزور إذا ذبح، وفي مرة كانت له قضية، فقال لعمر: أرجو أن تفصل في هذه القضية كما يفصل الفخذ من الجزور؛ فانتبه عمر، وامتنع عن قبول الهدية ومنع عماله.
وإذا كان عمر يحاسب ويراقب أمثال سعد بن أبي وقاص وعمير بن سعد الذي كان يعرف بنسيج وحده رضي الله عنهما، وغيرهما كثير من الصحابة الأخيار، فكيف بمن لا يدانونهم ولا يشابهونهم في شيء إلا في الهيئة والشكل، ويصدق على كثير منهم قول متمم بن نويرة:
وبعض الرجال نخلة لا جني لها ولا ظل إلا أن تعد من النخل
روى الذهبي في ترجمة عمير بن سعد هذا قال: بعثه عمر على حمص، فمكث حولًا لا يأتيه خبره، فكتب إليه: أقبل بما جبيت من الفيء؛ فأخذ جرابه وقصعته، وعلق إداوته، وأخذ عنزته وأقبل راجلًا، ودخل المدينة وقد شحَب، واغبر، وطال شعره، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين؛ فقال: ما شأنك؟ قال: ألستُ صحيح البدن، معي الدنيا! فظن عمر أنه جاء بمال، فقال: جئتَ تمشي؟ قال: نعم؛ قال: أما كان أحد يتبرع لك بدابة؟ قال: ما فعلوا، وما سألتهم؛ قال: بئس المسلمون! قال: يا عمر، إن الله قد نهاك الغيبة؛ فقال: ما صنعت؟ قال: الذي جبيته وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به؛ قال: جددوا لعمير عهدًا؛ قال: لا عملتُ لك ولا لأحد، قلتُ لنصراني: أخزاك الله.