فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 1363

كثير من الآباء والأمهات يشكون من أبنائهم ومن تقصيرهم نحوهم بعد الزواج، وتشاغلهم عنهم، وهذا لا يحل، وتذكر أخي أنك كما تدين تدان، وليكن لك في ذلك العبد الصالح أول الثلاثة الذين انسد عليهم الغار، فسألوا الله بأرجى أعمالهم فقال:"اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار، كنت أرعى عليهم فإذا رحتُ عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي، وإنه نأى بي الشجر، فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء"الحديث، الأسوة والقدوة، وأبواك لا يطمعان منك أن تفعل بهما ما فعل هذا العبد الصالح، بل يقنعان بأقل القليل منك.

واعلموا أيها الأبناء أنكم ستصيرون آباء عجزة ضعفاء تحتاجون إلى بر وإحسان أبنائكم، وأنت أيتها الزوجة تذكري حاجتك إلى بر أبنائك في الكبر وأعيني زوجك على بر أبويه والإحسان إلى أقاربه وأرحامه.

فأولى الناس بحسن الصحبة الأم ثم الأب، ثم الأدنى فالأدنى.

وأنتم أيها الوالدان أعينوا أبناءكم على بركم ولا تضيقوا عليهم، واحذروا الغيرة من الزوجة والأبناء فإنها من الأدواء.

ثامنًا: أن يشغلوه عن طاعة ربه وتقصيره فيها

من جملة فتنة المال والأهل أن يشغلوا الإنسان عن طاعة ربه، فيعرضوا له في صلاته وعبادته، فيحولوا بينه وبين مناجاة ربه، إذ الطمأنينة والخشوع في العبادة خاصة الصلاة لبها ومقصودها، فإذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم إمام الخاشعين قطع خطبته لما رأى حسنًا وحسينًا وحملهما ثم واصل خطبته، فكيف بغيره؟!

روى الحسن وغيره في تفسير قوله تعالى:"إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد. فقال إني أحببتُ حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. ردوها عليَّ فطفق مسحًا بالسوق والأعناق": (صلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه - أي الخيل - وكانت ألف فرس، فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت، وفاتت الصلاة، ولم يُعلم بذلك هيبة له، فاغتم، فقال:"ردوها علي"، فردت، فعقرها بالسيف قربة لله، وبقي منها مائة، فما في أيدي الناس من الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل) .

وما فعله سليمان عليه السلام وقد فاتته صلاة العصر فعله الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه عندما انشغل عن صلاته.

روى مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر:"أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له، فطار دبسي، فطفق يتردد يلتمس مخرجًا، فأعجبه ذلك، فجعل يتبعه ببصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة؛ فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة، وقال: يا رسول الله هو صدقة لله، فضعه حيث شئت".

كفارة فتنة الرجل بماله، وأهله، وولده، وغيرهم

الفتن التي تعرض للإنسان بسبب ماله، وأهله، وجيرانه، وغير ذلك كثيرة ومتنوعة، منها ما هو:

1.صغائر تكفرها الأعمال الصالحة من صلاة، وصيام، وحج، وصدقة، وأمر بمعروف، ونهي عن المنكر، وما شابهها.

2.كبائر يفعلها الإنسان ويقلع عنها، وهذه تحتاج إلى توبة واستغفار.

3.ومنها ذنوب يصر عليها صاحبها ويعاودها كلما تاب وندم منها يضعف عن ذلك، مع علمه بقبحها، ويتمنى الخلاص منها، فهو في رجاء الله وإن كان يُخشى عليه.

4.ومنها بدع وحوادث، وهي من أخطرها.

5.ومنها الكفر والشرك الأعظم الذي لا يفيد معه عمل صالح.

قال تعالى:"إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين".

وقال:"والذين إذا فعلوا فاحشة أوظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم".

وهذا معنى ما قاله حذيفة وأقره عليه عمر رضي الله عنهما.

قال الإمام ابن عبد البر معلقًا وشارحًا لقول أبي طلحة السابق:"لقد أصابتني فتنة في مالي": (الفتن على وجوه، فأما فتنة الرجل في ماله وأهله، فتكفرها الصلاة والصدقة، وكذلك قال حذيفة لعمر في الحديث الصحيح، وصدقه عمر، وقال: لستُ عن هذه أسألك؛ وقال جماعة من فقهاء الحجاز والعراق: إن المعاصي كلها فتنة، تكفرها الصلاة والصوم ما لم يواقع الكبائر؛ دليل ذلك قول الله عز وجل:"إن الحسنات يذهبن السيئات"، نزلت في رجل أصاب من امرأة ما ليس بكبيرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر التجار، إن هذا البيع يشوبه الحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت