• اعتراض سلطان العلماء العز بن عبد السلام على تولية"شجرة الدر"الحكم زوجة نجم الدين أيوب، حيث تولت السلطة بعد ولده توران شاه الذي تولى بعد أبيه ثم قتلته"شجرة الدر"، لأن من شروط الولاية في الإسلام الصغرى أوالكبرى الذكورية، فاستجاب المماليك للخليفة العباسي الذي قال لهم: إن كان ما بقي عندكم رجل تولونه فقولوا لنا نرسل إليكم رجلًا؛ ولسلطان العلماء، فأمروا أن تخلع نفسها فخلعت نفسها بعد ثمانين يومًا،حيث تنازلت لزجها"التابك أبيك التركماني".
• مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية العديدة في قيادة المجتمع وتوجيهه وترتيب الجيوش عندما غزا التتار بلاد الشام وقبل ذلك وبعده.
يقول الدكتور عبد الرحمن المحمود في كتابه"موقف ابن تيمية من الأشاعرة": (وصل الأمر بكثير من الناس أنه لما هاجم التتار بلاد الشام خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء مطمئنًا الناس:
يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر
لوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من التتر
فقال لهم ابن تيمية: والله لو كان أبو عمر بين ظهرانيكم لما استطاع أن يفعل شيئًا وأنتم بهذه الحال من فساد العقيدة وعدم الأخذ بالأسباب؛ فصار يأمرهم بإخلاص الدين لله عز وجل وأن لا يستغيثوا بغيره.
فلما أصلح الناس أمورهم وأصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم الله على عدوهم نصرًا مؤزرًا.
وفي سنة 709هـ لما عاد السلطان محمد بن قلاوون في سلطنته الثالثة وأمر بإطلاق ابن تيمية من السجن وقدمه، فلما جلس ومعه العلماء والقضاة عرض الوزير على السلطان أن أهل الذمة قد عرضوا أن يدفعوا للديوان سبعمائة ألف كل سنة زيادة على الحالية، على أن يعودوا إلى لبس العمائم البيض - كالمسلمين - فاستشار السلطان العلماء فقال لهم: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك فلم يتكلم أحد، فجثى الشيخ تقي الدين على ركبتيه، وتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ ورد على الوزير ما قاله ردًا عنيفًا، جعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويسكنه بترفق وتؤدة وتوفير، وبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقول مثله، وبالغ في التشنيع على من يوافق على ذلك، وقال للسلطان: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الحكم تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية.
• قال الدكتور عبد الرحمن المحمود: لم يكن العلماء قابعين في بيوتهم للتأليف والجمع فقط، وإنما كانوا يقومون بدور كبير في التدريس والقضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم مثل لذلك بما كتبه الإمام النووي المتوفى 676هـ إلى السلطان الظاهر بيبرس في رده على تهديد السلطان له: أما أنا نفسي فلا يضرني التهديد، ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان فإني أعتقد أن هذا واجب عليَّ وعلى غيري وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى.
• جاء في ترجمة المعتمد بن عباد كما قال ابن خلكان في"وفيات الأعيان": (كان المعتمد بن عباد أكبر ملوك الطوائف وأكثرهم بلادًا، وكان يؤدي الضريبة"للأذفونش"، فلما ملك"طليطلة"لم يقبل ضريبة المعتمد طمعًا في أخذ بلاده، وأرسل إليه يتهدده ويقول له: تنزل عن الحصون التي بيدك ويكون لك السهل؛ فضرب المعتمد الرسول وقتل من كان معه، فبلغ الخبر"للأذفونش"وهو متوجه لحصار قرطبة، فرجع إلى طليلطة لأخذ آلات الحصار.
فلما سمع مشايخ الإسلام وفقهاؤها بذلك اجتمعوا وقالوا: هذه مدن الإسلام قد تغلب عليها الفرنج، وملوكنا مشتغلون بمقاتلة بعضهم بعضًا، وإن استمرت الحال ملك الفرنج جميع البلاد؛ وجاءوا إلى القاضي عبيد الله بن محمد بن أدهم، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، وتشاوروا فيما يفعلونه، فقال كل واحد منهم شيئًا، وآخر ما اجتمع رأيهم عليه أن يكتبوا إلى ابن يعقوب يوسف بن تاشفين ملك الملثمين صاحب مراكش يستنجدونه، فاجتمع القاضي بالمعتمد وأخبره بما جرى، فوافقهم على أنه مصلحة، وقال له: تمضي إليه بنفسك، فامتنع فألزمه بذلك.. إلخ.
فاستجاب ملك الملثمين وعبروا البحر في عشرة آلاف مقاتل، وجمع المعتمد عساكره وتسامع المسلمون بذلك فخرجوا من كل البلاد طلبًا للجهاد، وبلغ الأذفونش الخبر فخرج في أربعين ألف فارس، والتقى الجيشان، وكان النصر حليف المسلمين، وهرب الأذفونش بعد استئصال عسكره، وكان ذلك يوم الجمعة في العشر الأول من رمضان 479ه.
هذا غيض من فيض وقليل من كثير يدل على أهمية أن يصدر المسلمون عن مرجعية شرعية واحدة، على الأقل في المصر الواحد، وأن توحيد المرجعية هو العامل الأساس بعد الله في توحيد المسلمين وتجميعهم، وتضييق دائرة الخلاف فيما بينهم، حيث لا يمكن صلاح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولا رشاد لخلفها إلا بما رشد به سلفها، فالله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أن لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن نصر المسلمين مرتبط بنصرهم لله ولدينه:"فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا".