6.الثبات على المبادئ.
7.عدم المداهنة للحكام والمجتمع، فمداهنة المجتمع لا تقل خطرًا ولا ضررًا عن مداهنة ومجاراة المجتمع فيما يهوى.
8.الزهد في الدنيا وعدم التعلق بزخارفها.
9.البعد عن مواطن الشبه وما يسقط المروءة، ويفقد المصداقية.
10.الأخذ بالعزائم وتجنب الرخص.
11.التصدي لمشاكل العامة والعمل على حلها عن طريق الشفاعات الحسنة ونحوها.
12.السعي لتعليم الناس وإرشادهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
13.مواساة الأتباع والعامة في الأفراح والأتراح والنوازل.
14.البعد عن سفاسف الأمور والترفع عن الخلافات.
15.التحلي بحسن الخلق سيما الحياء وكظم الغيظ والعفو عن الناس والجود والسخاء.
إذا توفرت هذه الشروط أوجلها، بجانب المواهب اللدنية والصفات الشخصية التي تعين على ذلك في العالم، دفعت العامة دفعًا للالتفاف حوله والانقياد له، والانصياع لتوجيهاته ونصائحه، فأصبحوا لا يصدرون إلا عن فتواه، ولا ينصاعون إلا لأمره، ولا ينقادون إلا إليه، وأجبر ذلك ولاة الأمر على تقديره واحترامه وتقريبه والرجوع إلى أمره.
ويمثل هذا الصنف من علماء السلف والخلف أصدق تمثيل سفيان الثوري والإمام أحمد، وغيرهما كثير من الأقدمين، والعز بن عبد السلام وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما كثير في عصور التخلف والانحطاط، والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد العزيز بن باز من المتأخرين، رحم الله الجميع، فقد رفع هؤلاء وغيرهم كثير عن الأمة الحرج والإثم، لقيامهم بالواجب الكفائي، وكانوا مراجع شرعية يصدر الناس عن فتاواهم، مما أدى إلى تضييق دائرة الخلاف بين المسلمين، وعصمهم من التفرق والتباغض والتناحر.
فعلى الأمة متمثلة في أهل الحل والعقد من العلماء والدعاة أن يسعوا بجد وإخلاص وأن يخططوا ويعملوا لتوفير هذه المرجعية لكل بلد إن لم تتيسر المرجعية العامة التي ترضي كل الأمة، سيما وقد وعد الله أن يهيئ لهذه الأمة في عصورها المختلفة ويخرج لها من يجدد لها دينها كما أخبر الصادق المصدوق:"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها"، أوكما قال.
وهذا ليس على الله بعزيز، فإذا علم الله من عباده صدقًا وعملًا جادًا أعانهم على ذلك، وهيأ لهم من أمرهم رشدًا، ولم يكلهم إلى أنفسهم، ولا إلى تدبيرهم طرفة عين، ولا أقل من ذلك.
ما كان للإمام أحمد رحمه الله بعد توفيق الله له أن يقف تلك المواقف التي شبهت بمواقف الأنبياء التي وقفها في فتنة خلق القرآن وغيرها، ولا أن يلقب بإمام أهل السنة والجماعة لولا تجرده وإخلاصه وزهده وعلمه وفقهه في الدين، مما جعل كبار الأئمة كالإمام أبي الحسن الأشعري وغيره كثير عندما تنصلوا عن عقائدهم السابقة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة كتبوا كتبًا بينوا وصرحوا فيها بموافقتهم لما كان عليه أبوعبد الله أحمد بن حنبل في الاعتقاد، وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: لا يكون وليًا لله إلا على اعتقاد أحمد؛ هذا بعد أن دان له ولاة الأمر وفي مقدمتهم المتوكل.
وكذلك ما كان للمسلمين في بلاد الشام أن يلتفوا حول سلطان العلماء العز بن عبد السلام ولا الإمام النووي ولا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم لولا صدقهم وتجردهم وقيامهم بواجبهم الديني ونصحهم لله ورسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالحمد لله إذ لم يفقد المسلمون المرجعية الشرعية التي يلجأون إليها عند الشدائد والمحن، سواء كانت خاصة أم عامة، في جميع الأعصار والأمصار، على الرغم من الضعف الذي يعتريها من حين لآخر، حيث بلغ مداه في هذا العصر.
والأدلة على ذلك كثيرة سنشير إلى طرف منها، ونذكِّر بها، عسى أن يكون في ذلك دافع وحافز للخلف، حتى لا يدب اليأس والقنوط في نفوس الشباب، وليعلم الخلف مكانة العلماء عند السلف، والتفافهم حولهم، وريادة وقيادة العلماء للرعية مع وجود المرجعية الخاصة.
• حكى الذهبي في ترجمة ابن عباس رضي الله عنهما عن يزيد بن الأصم قال: خرج معاوية حاجًا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب من طلبة العلم.
• وروى الليث بن سعد عن عبد ربه بن سعيد قال: دخل أبوالزناد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه من الأتباع - يعني طلبة العلم - مثلُ ما مع السلطان، فمن سائل عن فريضة، ومن سائل عن الحساب، ومن سائل عن الشعر، ومن سائل عن الحديث، ومن سائل عن معضلة.
• أطلت زبيدة زوجة هارون الرشيد من نافذة فرأت موكبًا عظيمًا فقالت: هذا موكب من؟ فقالوا: سفيان الثوري وطلابه؛ فقالت: هذا والله هو الملك، لا ملك الرشيد بالشرط ونحوهم.
• وكان مالك رحمه الله في عصره الآمر الناهي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المدينة، ولهذا مدحه مصعب بن عبد الله فقال:
يَدَعُ الجوابَ فلا يراجعُ هيبة و السائلون نواكس الأذقان
عز الوقار ونور سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان