فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 1363

على الرغم من ذلك فما فتئ كثير من الناس يبتدعون في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا، ويستحسنون بعقولهم وآرائهم ما يزينه لهم شياطين الإنس والجن، فكم من سنن قد أميتت، وكم من بدع قد فشت وظهرت، وعمت وطمت، لا يستثنى من ذلك مجال من مجالات الحياة، وإن كان بعضها أسوأ حالًا من بعض، من المجالات التي كان لها نصيب وافر، وحظ خاسر من ذلك جانب الجنائز، حيث كثرت فيه البدع وتنوعت، وتعددت فيه المحدثات وتوافرت، حتى طغت على السنن وغطت.

وبعد..

فهذا تذكير وتنبيه بأهم البدع التي استحدثت في الجنائز وعمت بها البلوى في البوادي والحواضر، وأضحى السكوت عنها جريمة لا تغتفر، ونذير شؤم بخطر، عسى أن تجد آذانًا صاغية، وقلوبًا واعية، ونفوسًا زاكية.

هذه البدع قد لا تجتمع في بلد واحد، ولا تتحقق كلها في مأتم واحد، وقد يكون لبعض المجتمعات حظ منها أكثر من غيرها، وبعضها قد يكون معلومًا لفريق من الناس وبعضها قد يكون مجهولًا، وهذا كله لا يمنع من التنبيه عليها والتحذير منها مجتمعة، فما أيسر انتشار البدع وذيوعها، وما أسرع نقلها وقبولها.

في البداية لابد من الإشارة إلى تعريف البدعة وبيان أن كلها ضلال وشر.

فالبدعة هي كل أمر حادث ليس له أصل في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمعت عليه الأمة.

والبدع دركات بعضها أخطر من بعض، فهناك بدع كفرية، وبدع محرمة، وبدع مكروهة، وكلها ضلال بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة".

وهذا يرد تقسيم من قسم البدع إلى حسنة وقبيحة، وإن قال به بعض أهل العلم، لأنه لا يقوم على دليل، هذا فيما يتعلق بالبدع الشرعية، سواء إن كانت حقيقية أم إضافية، أما البدع اللغوية وما يتعلق بالعادات فهذا غير معني.

فأقول وبالله التوفيق:

أولًا: النعي

النعي هو الإعلام بموت الميت، منه ما هو جائز كإعلام الأهل والإخوان وأهل الفضل ليتمكنوا من الحضور لتجهيز الميت، وتشييعه، والصلاة عليه، والاستغفار له، ودليل ذلك ما صح عن أبي هريرة أنه قال:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصفَّ بهم وكبَّر أربعًا".

ومنه ما هو ممنوع، وهو نعي الجاهليين الذي يهدف من ورائه إلى المفاخرة والمباهاة، وهو أن ينادى في الناس إن فلانًا مات، وهذا الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منه حذيفة وغيره من السلف؛ ودليل كراهة نعي الجاهلية وهو الإعلام الزائد عن إعلام الأهل والأقربين والأصدقاء للقيام بالواجب:

• قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه:"إذا متُّ فلا تؤذنوا بي أحدًا، فإني أخاف أن يكون نعيًا، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي".

• وقال سعيد بن منصور في سننه:"أخبرنا ابن علية عن ابن عون قال: قلتُ لإبراهيم أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم، قال ابن عون: كانوا إذا توفي الرجل ركب رجلٌ دابة، ثم صاح في الناس: أنعي فلانًا؛ وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسًا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه)."

قال الترمذي: وقد كره بعض أهل العلم النعي، والنعي عندهم أن ينادى في الناس بأن فلانًا مات ليشهدوا جنازته، وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يعلم الرجل قرابته وإخوانه).

وقال الحافظ ابن حجر:(قال ابن رشيد: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق، وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح.

إلى أن قال: وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك.

ثم قال: قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره، الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم).

الذي يظهر والله أعلم أن الفارق بين النعي الجائز والممنوع دقيق جدًا، ولذلك أخذ حذيفة بالأحوط ونهى أن يعلم به أحدًا، وأن هذا الأمر تحكمه النية، فمن كانت نيته إعلام الأهل والأصدقاء وأهل الفضل والصلاح ليستغفروا ويصلوا ويشيعوا فهذا جائز، ومن كانت نيته المباهاة والمفاخرة فهذا هو النعي الممنوع، وفي الجملة يكره النعي بالوسائل التالية:

1.الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمشاهدة.

2.عند أبواب المساجد.

3.عند الأسواق وفي الطرقات.

ثانيًا: لطم الخدود، وشق الجيوب، ورفع الصوت بالبكاء والعويل

من البدع المنكرة والأعمال القبيحة الجزع والتسخط عند وقوع المقدور بالقول والفعل، كالبكاء والعويل، أولطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت