فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 27364

وكل ذلك يحتاج منا لثورة روحية شاملة في كل مجالات التربية والثقافة والسياسة، تشحذ من عزائم الناس، وتقوي من إيمانهم بأنفسهم، وتدفعهم إلى معرفة هذه النفس بالرجعة إلى منابعها الأصلية، رجعة موجهة بروح الحضارة الحديثة القائمة على العلم والابتكار. وبذلك نخلق المناخ الصحي للنهضة الحقيقية التي ترتكز على بعث شخصية الأمة الأصلية، نوصلها بكل تيارات الفكر الحية في عالم اليوم. وهذا شبيه بما حدث للحضارة العربية الإسلامية في بداية أمرها، مع الفارق الذي ذكرناه آنفًا. وهو أيضًا شبيه بما حدث في النهضة الأوربية المعاصرة بعد أن تحجرت الحضارة الإغريقية الرومانية، خاصة بعد أن ارتدت الزي المسيحي كما زعم المؤرخ جيبون في كتابه عن انهيار الإمبراطورية الرومانية.

ولكن الشخصية الأوروبية سرعان ما تململت تحت أشعة الشمس التي سلطتها عليها الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية، فعبّت من ثمار هذه الحضارة في الفلسفة والعلوم والمهارات، وترجمت معظم الكتب العربية بما فيها القرآن إلى اللغة اللاتينية، ودرستها في مدارسها وجامعاتها التي قامت بتأثير هذه الحضارة الإسلامية في جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وبريطانيا وغيرها. وكان أن بعث ذلك فيها الوعي بذاتها، ونبهها إلى ماضيها، فرجعت تبحث عن أصول عبقريتها في العهد الإغريقي الروماني. وبدأ الناس يدرسون تراث الماضي في ضوء التجربة الجديدة بغرض اكتشاف روح هذه الحضارة، والتعرف على مصادر الإلهام فيها، والتي ما تزال كامنة في النفوس. ولم يلبث عصر النهضة أن انفجر عن هذه الحضارة الغربية التي نشهدها اليوم. وما حدث في هذه التجربة الغربية قمين بأن يحدث لحضارتنا العربية الإسلامية التي ما تزال روحها حية ومجسدة في شخصياتنا المعاشة، رغم كل المعوقات والحرب التي شنها وما يشنها أعداء الإسلام من المستعمرين، وضاعف من ضراوتها الجهل والتخلف والفقر (أعداؤنا الأساسيون) . يجب أن يكون اندفاعنا القوي للتزود من العلوم والفنون التي تتيحها لنا الحضارة المعاصرة، مربوطًا باندفاع لا يقل عنه قوة لاكتشاف ذواتنا بدراسة تراثنا في كل أبعاده القريبة والبعيدة. وعندها سنكتشف أن كثيرًا مما ندرسه في مدارسنا - كنتاج لعبقرية أوربا - ما هو في معظمه إلا بضاعتنا القديمة ردّت إلينا في أغلفة أجنبية. وذلك يقتضي أن تكون الثورة الروحية الثقافية ثورة على الأمية الحضارية الغاشية في أواسط متعلمينا الذي تعلموا في المدارس مبادئ العلوم المختلفة، ولكنهم يجهلون الكثير عن ماضي أمتهم وعبقريتها، ومنابع الأصالة والإبداع الكامنة في نفوسهم والمتوارثة عن أسلافهم. فإن معرفة هذا الماضي المشرق بدراسته في ضوء التجربة الحضارية المعاصرة كفيل بأن يفجر في نفوسنا جميعًا بذور الأصالة الكامنة في أعماقنا، والتي هي مقرونة بهذا الماضي. وعندها سيكون عطاء العرب والمسلمين للحضارة عظيمًا، إذ أن ما تحتاج إليه البشرية في مقبل أيامها، وقد اندفعت في تحقيق رغباتها المادية وإشباع شهواتها في التسلط والحروب، هو ضرب من التوسط لا يحققه إلا ميزان التعادل الذي تقيمه رسالة الإسلام الخاتمة في نفوس الأفراد والجماعات. وقد جاء الإسلام أصلا لمواجهة تحديات هذا التقدم المادي الهائل بحله الذي لا حل سواه، وهو جوهر خاتميته المتمثل في خُلق (الفرد الجماعة) ، الذي تتكامل قواه الروحية مع قواه الحسية، ليواجه أزمات التقدم بشخصية موحدة متكاملة بدل هذه الشخصية الأحادية النظرة التي تمشي على رجل مادية واحدة، وتبتر رجلها الروحية كما تفعل حضارة الغرب المرجوحة، والتي جاء الإسلام لمعالجة سلبياتها، لأن الأساس الذي قامت عليه من فصل الدين عن الدنيا كان صالحًا لمراحل الحياة البسيطة التي فيها الروح الجماعية حركة الجماعة كما سبق القول.

ومن الواضح أن هذا التوجه الجاد الذي انتظم معظم العالم الإسلامي نحو استعادة فعالية الشخصية الحضارية وأخذهم بأسباب العلم وسعيهم لنقض ما رسبته مخططات المستعمرين في حياتهم من نظم تربوية وقانونية، وتحكيم قيم دينهم في حياتهم الاجتماعية والسياسية، كل ذلك قد أثار الهلع في نفوس أهل الغرب الذين ظنوا أنهم قد أفرغوا الإسلام من محتواه الشامل، ليصبح عبادات فردية كما تقضي بذلك علمانيتهم، التي تبعد الدين عن حركة المجتمع الفاعلة تحت شعار الدين لله والوطن للجميع.

وأمام هذا التحدي الكبير لمخططاتهم الرامية لصب العالم في قالب الحضارة الغربية عامة عن طريق العولمة التي توظف كل الوسائل المادية والمعنوية لتحقيق ذلك الهدف، فقد تبين لهم أن الخطر عليهم أكبر من أن تحتويه عولمتهم. فاحتاجوا كما يقول المثل السوداني (إنهم محتاجون لمساعدة العولمة بجكّة) . وهذه (الجكّة) ـ الجري ـ هي اللجوء إلى القوة لفرض مخططاتهم بعد أن فشلت طرق الدعاية والإغراء في حمل المسلمين على التنازل عن قيم دينهم. والواقع أن الحضارة العربية الإسلامية تكاد تكون الحضارة العالمية الوحيدة الحية الذي ظلت لأكثر من ألف عام تواجه بصلابة حضارة الغرب وتستعصي على الانصياع لها، في حين استكانت لها معظم حضارات العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت