فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 27364

ولعل مما يضاعف من صعوبة استعادة هذا الوعي وتحرير الإرادة المأزق الحضاري الذي نعيشه اليوم، والذي يناقض ما كان عليه أمرنا في البداية. فإن المسلمين الأوائل قد واجهوا الوضع الحضاري في الأمصار وهم في مركز القوة والسلطة، والحضارات السائدة في موقف الضعف والجمود، وبذلك تم لهم تطويع كل التيارات الحضارية التي تشربوها وصاغوها صياغة إسلامية تتلاءم والمزاج النفسي والعقلي للمسلمين، دون تزمت أو حجر. ونحن الآن في موقف الجمود والضعف في مواجهة حضارة عارمة القوة، يسعى أصحابها لفرضها علينا كبديل عن حضارتنا الجامدة. وبذلك أصبحت معركتنا مع هذا الغزو الحضاري الضاري معركة حياة أو موت. فرضت علينا الحرب في جبهتين: جبهة داخلية يتوجب منها أن ننتصر على أنفسنا باستعادة فعالية شخصيتنا الحضارية في كل أبعادها الدينية والاجتماعية، مما يقتضي ثورة ثقافية عارمة ننفتح بها على ماضينا في ضوء تجربتنا المعاصرة، عودة واعية لمنابع إبداعنا، وتجديدًا لوسائلنا في تحقيق ذلك. وجبهة خارجية نصد فيها كل محاولات الطمس والإبادة الموجهة إلينا من قبل حضارة الغرب، دون أن يحول ذلك بيننا والاستفادة من منجزات هذه الحضارة وتطويعها لخدمة أغراض حياتنا. كل ذلك نفعله ونحن في بحر لجّي يكاد يغرق وجودنا من تأثير فعالية حضارة الغرب وقدرتها على اختراق الحدود والعقول، حتى انتهت بالناس في كثير من بلاد المسلمين إلى خيارين: إما التمسك بما آلت إليه حضارتنا رغم تخلفه والتقوقع فيه والعيش على ماضيه، وإما نبذه وأخذ ما عند الغرب بخيره وشره كما زعم أحد ممثلي هذا الاتجاه في بداية أمره. وقد وضح ذلك حين سعى المسلمون لتطوير حضارتهم بأخذ ما يتلاءم معها من مكتسبات الغرب، كما فعل أوائلهم في مواجهتهم للحضارات القديمة، ونجم عن ذلك ما سمي بالنهضة العربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولكن حركة الاستعمار التي استولت على معظم العالم العربي والإسلامي بعد ذلك أجهضت هذه المحاولة، ووضعت حدًا لذلك التطور الطبيعي لإحداث النهضة، وفرض المستعمرون نظمهم الغربية في التربية والتشريع وكل مجالات الحياة الفاعلة، ولم يبق من الإسلام في حياة المسلمين إلا الشعائر الدينية على مستوى الأفراد، وقوانين الأحوال الشخصية على مستوى المجتمع.

والناظر الآن في أحوال العالم الإسلامي - وقد انقضى ما يقرب من نصف قرن على خروج جيوش المستعمرين من معظم أنحاء العالم الإسلامي - يجد أن الأمر أشد تعقيدًا مما كان عليه الحال قبل دخول المستعمرين، من تغيرات في عقول كثير من المسلمين وحياتهم، فقد وضح لمعظم الناس أننا رغم ما حصلنا عليه من تقدم شكلي فإننا ما نزال في موقف الجمود والضعف في مواجهة حضارة عارمة القوة يسعى أصحابها إلى فرضها علينا كبديل عن حضارتنا، ولا يقبل هذا المنطق الاستعماري إلا قلة ممن استهوتهم حضارة الغرب، لأن الناس لا يستبدلون نظامًا بنظام بهذا الأسلوب الاستبدادي، الذي يهدف إلى إلغاء شخصيات الأمم وصبها في قالب الشخصية الغربية، مهما تدثر بالحديث الأجوف عن نشر الديمقراطية والحريات وحكم القانون، وهي دعوات لا يتقيدون بها في تصرفاتهم مع الآخرين، كما هو واضح في كيلهم بمكيالين، وازدواجية معاييرهم حين يتعلق الأمر بمصالحهم أو أهدافهم السياسية. والحضارة روح والأشكال تعبير عنها. وقد كان من آثار احتكاكنا بالحضارة الغربية في القرنين الماضيين أن بدأنا ننصرف قليلًا عن بهرج الأشكال التي غزت حياتنا، ونتوفر على روح هذه الحضارة القائمة على العلم والصناعة، رغم سعي الدول الغربية لحرمان الدول النامية - ومن بينها العالم الإسلامي - من الحصول على ثمرات العلم التي تحدث التطور، ليظلوا عالة على الغرب، مستهلكين لا منتجين لبضائعه. وقد بدأ هذا الوعي يحدث يحدث آثاره على وجودنا ويدفعنا إلى اكتشاف نفوسنا التي علاها صدأ القرون، وفي ذلك ما فيه من تنشيط لقوانا الكامنة، مما يجعلنا نستعيد كثيرًا مما فقدناه في عصور التخلف، من وحدة شخصيتنا العضوية، ونظرتنا الشمولية للدين، بحسبانه إنجازًا حضاريًا عامًا يدفع بالإنسان لتأكيد إنسانيته بقدر إيمانه وإخلاصه في عبادة ربه. وكلما استعدنا قدرًا صالحًا من قوتنا كان في ذلك دعمًا لإرادتنا في التحكم في التيارات التي تصب علينا من الخارج، فنقبل منها ما يتلاءم وكياننا الحضاري، ونرفض منها ما يصادمه. وبذلك نتجاوز مرحلة التلقي والتقليد إلى مرحلة الهضم والتمثل والإبداع. ومن ثم تصبح التيارات الوافدة رافدًا لشخصيتنا الحضارية لا بديلًا عنها، فتتأكد بذلك ذاتيتنا، ونستعيد مبادرتنا على الإسهام في بناء الحضارة، كما فعلنا بالأمس. وبهذا وحده نصل حاضرنا بماضينا منطلقين لمستقبل مشرق، لأن كل أمة تتمثل من الحضارة السائدة ما ينسجم وشخصيتها، وهي تخضعه لمواصفاتها، فتكون ثقافتها المتولدة عن ذلك تعبيرًا عن ظروفها هي لا عن ظروف حضارية مجردة لا مكان لها إلا في دعايات المستعمرين وعقول من يستجيبون لهذه الدعايات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت