فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 27364

فمكان الدين بمعناه الخاص في الحضارة الإسلامية مكان متفرد، لا يكاد يجاوز حدود الأسس والقيم العامة المتفق عليها بين بني البشر، وتقبلها الفطرة السليمة، ثم ينفتح الباب واسعًا لحرية الفكر وحرية التطور. ويكفي في هذا أن الدين يدعو الناس إلى إباحة تأويل ظاهر النص بما يستقيم ومفهوم العقل. وبهذا المفهوم الثوري في إدخال الدين في حياة الناس، بحسبانه مستودع التراث الروحي للإنسان، ليلج جماع الشهوات، ويوجه الناس للعمل الصالح، محررًا بذلك إرادة الإنسان من قيود الأنانية ونزوات النفس الأمارة بالسوء، وفاتحًا المجال لعقله ليتفكر في خلق السماوات والأرض، وبهذا المفهوم الثوري الذي يربط بين الدين كموجّه لا قيد، وبين الدنيا كإنجاز وتحقيق، وبين العقل كرائد لا يكذب أهله، انفتح المسلمون الأوائل على الدنيا، وأقاموا حضارة لا تعصُّب فيها ولا جمود، وإنما هي إنجاز بشري في كل مجال من مجالات الإبداع في البناء والتعمير والاقتصاد والعلم. لقد كان الدين انفتاحًا على الحياة لا إلغاءً لها. وكان حافزًا على إقامة المجتمع الإنساني الفاضل المليء بالحركة والعلم المتفتح على كل ثمرات الحياة من أية جهة جاءت، لا قيدًا على حركة المجتمع وتحنيطًا له. وبذلك تحولت القيم والشعارات والمبادئ التي عبر عنها الدين من مجرد مفاهيم عقلية إلى حياة مُعاشة. وتم بذلك التناسق والانسجام بين القول والعمل، وبين الفكر والمسلك. وذلك ليس بالأمر اليسير، إذ ما أكثر الأفكار والمثل التي تمتلئ بها عقول الناس وتعج بها خزائن كتبهم، وما أقل ما يتحول منها إلى عواطف وأحاسيس ومشاعر ودوافع للفعل. وهذا ما نجح فيه النظام الإسلامي، إذ إنه بربطه بين قيم الحياة الإنسانية الباقية ونزوع الإنسان الروحي، ومزجه بينهما بحيث يكون العمل لصالح الجماعة ضربًا من الجهاد الروحي يثاب عليه فاعله كما يثاب على التبتل والتوجه إلى الله، قد أحال هذه القيم وأعمال البر المترتبة عليها إلى مشاعر وأحاسيس تثير وجدان الفرد المؤمن، وتدفعه إلى فعل الخير، وبذلك يصبح الضمير الفردي ضميرًا اجتماعيًا بالضرورة، دون كبير إلزام من المجتمع. ومما يؤكد دور الدين الاجتماعي في حضارة الإسلام أن جانب الردع فيه، وهو الخاص بالحدود، قد وضع فيه بطريقة تجعل تنفيذه أعسر المهام على أي حاكم، لأن تطبيقه محاط بقدر كبير من الشروط والمستلزمات، وكان ذلك مقصودًا، لأن الغاية ليست العقوبة في ذاتها، وإنما هي صلاح المجتمع والبشر. ومن ثم جاء التركيز على الضمانات الاجتماعية التي تحول بين الناس والوقوع في الموبقات، ومتى وضحت هذه الضمانات أصبح لا عذر لمن يرتكب جريمة ويستحق عليها العقاب الرادع. ولعل هذا الدور الاجتماعي البعيد الأثر في حياة الناس هو الذي مكّن للإسلام من الرسوخ في وجدان الناس وقلوبهم وعقولهم، رغم فساد أنظمة الحكم التي كثيرًا ما كانت في جانب والجماهير المسلمة في جانب آخر. ولعله لهذا السبب كان كبار التابعين والعلماء يتحاشون بلاط الخلفاء والأمراء، ويرون في التعاون مع الدولة ابتعادًا عن روح الإسلام الديمقراطية الاشتراكية، لأن هذه الأنظمة منذ أواخر عهد سيدنا عثمان، كانت مجموعات من المتسلطين لا يهمهم في معظم الأحوال من الدين إلا ما يؤكد سلطاتهم ويمدهم بالمال. ولذلك كانت العناية بكتب الأموال وكتب الخراج كبيرة خاصة في عهد بني العباس. والطريف في الأمر أن الأحكام الشرعية ونظرياتها التي كانت تستنبط طوال العهد الأموي وصدرًا من حكم بني العباس، وتدوّن في الكتب والمذاهب كان يقوم بها الفقهاء والمجتهدون بعيدًا عن مراكز الحكم ودواوين الحكومة، ولم يجد الفقهاء طريقهم إلى السلطة بطريقة موسعة إلا في أيام بني العباس. ولهذا السبب لم يكن عدم اهتمام الحكومات - التي حكمت باسم الإسلام - بالإسلام سبيلًا إلى اضمحلاله أو تلاشيه، بل ظل بعكس ذلك يتعمق في وجدان الناس ويترسب في حياتهم، ويفتح المجال أمام المستضعفين والفقراء، رغم ظلم الحكام وإعنات المتسلطين. وهذا النظام الاجتماعي الشامل القائم على التكافل بين الأغنياء والفقراء عن طريق الزكاة والأوقاف وأعمال البر والصدقات هو الذي ضمن للمجموعة اكتفاءها الذاتي الذي لا يتأثر باضطراب أنظمة الحكم وسقوطها. وهذا هو السبب وراء انتشار الإسلام في أنحاء العالم بجهود الأفراد والجماعات دونما سند رسمي أو قهر. ولا يبعد الإنسان عن الحق إن زعم أن النظام الإٍسلامي مع شموله وتفصيله لكثير من جزئيات الحياة الاجتماعية والدينية، لم يتوسع في تحديد وتفصيل الأجهزة الإدارية والسياسية التي ترتكز عليها الدولة، مكتفيًا بخلق المجتمع القوي الذي يعبر فيه الفرد عن الجماعة، ويمكنه إن لزم الأمر أن يستغنى عن الدولة دون أن يصاب الإسلام كنظام إنساني وحضاري بسوء، كما برهنت تجارب المسلمين في هذه القرون الطويلة التي انصرمت منذ أن فقد المسلمون السيطرة السياسية على حياتهم. ومعنى ذلك أن الإسلام كنظام اجتماعي وروحي قد ظل يصوغ شخصيات الأفراد والجماعات ويشكلها، بحيث أن نقول إن الفرد المسلم هو التجسيد الحي والتلخيص لفكرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت