فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 27364

وبحكم هذا الربط القوي بين المسئولية الفردية والمسئولية الاجتماعية، ووصلهما بالمثل الإنسانية العليا المشتركة بين بني البشر، تخطت شخصية الرجل المسلم كل حواجز العنصر واللون والإقليم واللغة والطبقة، مكونة النموذج الأمثل للمواطن الإنسان أخ الإنسان، حيث كان هذا الإنسان مهتديًا بقوله تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات/13] . وبذلك لا يصبح المسلم مواطنًا إنسانًا فحسب؛ بل يصبح مواطنًا عالميًا، بل يصبح جماعة في فرد أسميه (الفرد الجماعة) . وعلى هذا فإن النظام الإسلامي لا يكتفي بالنصح والموعظة الحسنة وحدها؛ بل يسعى إلى صياغة شخصية الفرد المسلم صياغة تقربه من نموذج المواطن الإنسان هذا، أو الفرد الجماعة، ومن هنا يجئ هذا الإلحاح الكبير على جزئيات السلوك وتفصيلات المعاملات، بحيث يتوخى الإنسان في كل عمله وقوله الصدق والعدل وكرامة الإنسان، متخذًا من رسوله الذي وصفه ربه بأنه على خلق عظيم القدوة الأسوة. ومن هنا يحدث التجانس بين الأفراد وتعم الوحدة الروحية والاجتماعية حياة المجموعة المسلمة حيثما كانت في بقاع الأرض وأقطارها، وبذلك لا يصبح المسلم، وقد تعاونت على حياته كل هذه العوامل الروحية والاجتماعية صورة مصغرة لمجتمعه الخاص فحسب، بل يصبح صورة مصغرة لكل مجتمع مسلم في كل زمان ومكان، ومن هنا يكتسب عالميته. وهذا هو السر الكامن وراء تعاطف المسلمين وتواددهم وألفتهم بعضهم لبعض أينما التقوا، ومهما اختلفت ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وأوطانهم.

وقد وضع الإسلام بخاتميته لرسالات السماء حدًا فاصلًا بين عهدين، عهد طفولة الفكر الإنساني وبداوة الحياة الاجتماعية، وعهد نضج العقل البشري وارتباط مصير الإنسان بأخيه الإنسان في حياة اجتماعية قد ينتهي بها الأمر إلى تجاوز كل الحدود والإقليميات، ليصبح مسرحها العالم بأكمله. وقد فطنت هذه الحضارة التي تعبر عن هذه المرحلة وما يتلوها من مراحل منذ البداية إلى احتدام هذا الصراع الكبير بين روح الإنسان وجسده، وما ينجم عن ذلك من تطور أو تدهور، فسعت إلى إقامة ميزان تعادل بينهما، ينجم عنه تكامل الشخصية الإنسانية، ويتولد منه مجتمع الكفاية والعدل لكل بني البشر، ولذلك فقد خلقت مجتمعًا لا مكان فيه لدين انطوائي يحلق بالناس في متاهات الغيب، ويتولى السلطة فيه طغاة يتلقون وحيهم من خارج حياة الناس وقيم دينهم، بغرض إحكام قبضتهم على مصير البشر بل جعلت الدين جزءًا من الدنيا، وكل شعائره وعباداته مسخرة لخدمة أغراض الحياة ومثلها الاجتماعية العليا التي هي في أرقى صورها نفس المثل الدينية، ولا مكان فيه لدنيا ينطلق الناس فيها على هواهم دون وازع أو رادع، زاعمين أنها الحرية وشجاعة الاختيار، في حين أنها ليست سوى إطلاق للنزوات والشهوات من عقالها في زمان استبدت فيه بالناس المطامع، واستعبدتهم الرغبات، ولوت أعناقهم الأنانية وحب الذات. هي حضارة شاملة تجمع كل تراث البشرية وتوجهه لخدمة غايات الحياة لتخلق الفرد المؤمن بربه، المتعاطف مع أخيه الإنسان، العامل لخير نفسه وخير مواطنيه ومجتمعه وخير الإنسانية جمعاء، لأنه يعلم أن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعلم مثقال ذرة شرًا يره. ولأنه لا يكاد يجد في كتابه المقدس آية تحثه على عبادة ربه إلا وهي مقترنة بدعوته إلى العمل الصالح، وبذلك يصبح العمل الصالح عبادة يثاب عليها الناس كما يثابون على عبادة ربهم. بل إن هناك من الإشارات ما يفيد برجحان العمل على ما سواه من العبادة، لأن العمل صلاح لحياة الناس مباشر، والعبادة صلاح غير مباشر. وصدق رسول ا صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"إن قومًا ذهبوا من الدنيا ولا عمل لهم، وقالوا نحسن الظن بالله. كذبوا. لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت