الدين الإسلامي، وقد جاء معبرًا عن انتقال الإنسان من مرحلة الفردية والمسئولية الشخصية سواء كان ذلك على نطاق الأفراد أم القبيلة التي تضمهم، إلى مرحلة الجماعية والمسئولية الاجتماعية في حياة المدينة - حيث كانت هذه المدينة - لابد أن يتجاوز الطور الذي كان فيه الدين تعبيرًا فرديًا عن الإنسان في علاقته بالسماء، ليصبح تعبيرًا شموليًا في علاقة الإنسان بالسماء، وعلاقته بالأرض ومن عليها وما عليها، فقد كانت بساطة الحياة في ماضي الإنسانية وروح الجماعة التي تفرضها رابطة الدم مما يؤمن للناس حياتهم، فلا يحتاجون لتشريعات اجتماعية كثيرة لتنظيم علاقاتهم، ولهذا السبب لم يرسل رسول لبادية، بل كانت كل الرسالات لنقاط حضرية أو قرى (والقرية: المصر أو المدينة) لقوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) [يوسف/109] ، وحتى هذه القرى كانت حياتها تتسم بالبساطة ولكنها أكثر تعقيدًا من البادية، ولكل منها أزماتها، فبعث الله إليها برسله، وأنزل عليهم التشريعات الملائمة لكل حالة، ولكنها جميعًا رسالات لمجموعات بعينها محدودة الزمان والمكان. وجاءت الرسالة الخاتمة لمرحلة في تاريخ الإنسانية خاتمة، فأكملت الدين لمواجهة المجتمع الحضري، ليس في مدينة بعينها بل على مستوى الإنسانية كافة. فالإسلام من هذه الناحية ليس دينًا روحيًا فحسب، بل هو دين اجتماعي أيضًا، ومن هنا كان تأثيره بعيد المدى على حياة الأفراد والجماعات التي تعتنقه، إذ هو لا يكتفي بتنظيم علاقة الإنسان بربه فحسب، ويكتفي في ذلك بطقوس العبادات وشعائرها، بل يسعى إلى تنظيم حياة الأفراد الخاصة، ويربطها بحياة المجتمع العامة، ويربط الحياتين معًا بالمثل الإنسانية العليا التي هي تراث الإنسانية جمعاء. وبذلك تتداخل كل هذه العلاقات وتتشابك، بحيث يصبح الواقع صورة للمثال والمثال تعبيرًا عن الواقع، ويصبح الديني تعبيرًا عن الدنيوي، والدنيوي تعبيرًا عن الديني، وتصبح مصلحة الفرد هي مصلحة الجماعة، ومصلحة الجماعة هي مصلحة الفرد، وتكون العبادات سبيلًا إلى المعاملات، والمعاملات ضربًا من العبادات. ولذلك كانت كل شعائر العبادة في الإسلام لا تهدف إلى الخلاص الفردي فحسب، بقدر ما تهدف إلى إصلاح حياة المجتمع، وتنشيط التعاون والتكافل والتكاتف الاجتماعي، مثلما هو الحال في الزكاة والحج والصوم، وحتى العبادة الرمزية المجردة في الإسلام وهي الصلاة، والتي هي صلة بين العبد وربه وعلي المستوى الروحي، ولكن هدفها الاجتماعي النهي عن الفحشاء والمنكر اللذين يضمان فيما بينهما كل شرور الحياة الاجتماعية، وكل ما ينكره الناس من مسلك وتصرف. ومعظم هذه العبادات جماعية ليتضاعف أثرها في حياة الناس. وكل ذلك ما يقوي من ترابط المجتمع ويؤكد تكافل أفراده، ويجعل العلاقات بين الأفراد علاقة عضوية مثل علاقة الدم، ولذلك عبر عنها القرآن الكريم والسنة المشرفة بالأخوة، كما قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) [الحجرات/10] ، وقال صلى الله عليه وسلم"المسلم أخو المسلم".
ولكن الإسلام كنظام، رغم كل هذه الشمولية التي تنتظم حياة الروح وحياة الجسد في الفرد والجماعة، ليس دولة دينية بالمعنى الضيق الثيوقراطي، بحيث يكون نقيضًا للعلمانية. فالمسئولية في الإسلام مسئولية فردية وجماعية اجتماعية. وهي ليست حكرًا على جماعة بعينها، تدعي الوصاية على الأمة، ولهذا السبب انتقل الرسو صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى دون أن يختار خليفة له، بل ترك أمر الخلافة لإجماع المسلمين. ومعنى ذلك أنه ليس هناك مناصب دينية لحكام يتصرفون في أمور الناس بالحق الإلهي، مثلنا هو الحال في البابوية مثلًا، وليس هناك كهان أو وسطاء يقومون بين الناس وربهم، وإنما هو نظام السيادة لعامة المسلمين الذين يعبرون عن إرادة الله، ولذلك جاء في الحديث الشريف (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة) ، ومن ثم كان إجماع الأمة هو الأصل الرابع في التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسنة والقياس.