فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 27364

وهنا لابد من إشارة إلى الحضارة العربية الإسلامية، والثقافة المترسبة عنها في حياة شعبنا وكل شعوب العالم الإسلامي. فهي حضارة - شأنها شأن الحضارات - تقوم في أساسها على الدين، ولكنه دين أتى معبرًا عن مرحلة متأخرة من تطور الحياة البشرية، حين بلغ الوعي الإنساني نضجه واكتماله، وتحلل من كثير من قيود الخرافة والتفكير الغيبي والأسطوري، وكان كل ذلك مرتبطًا بتطور اجتماعي لا يقل عنه أهمية. إذا كانت جمهرة الإنسانية - وليس حفنة من الطبقات الحاكمة والمنتفعين بها كما كان الحال في امبراطوريتي فارس وروما - تنتقل من مرحلة اقتصادية مختلفة، هي مرحلة البداوة والرعي في جزيرة العرب وما شابهها؛ والزراعة التي تكبلها قيود الإقطاع والتسلط في مناطق الحضارة المجاورة، إلى مرحلة اقتصادية متقدمة هي مرحلة التجارة وحياة المدن والاستقرار. ونسبة للتعقيد الذي طرأ على حياة الإنسانية في هذه المرحلة من تشابك حياة الناس، وقد أصبحوا يعيشون على اختلاف ألوانهم وأجناسهم بين جدران المدينة الواحدة، فلم تعد القبيلة التي تقوم على رابطة الدم - وهي القاعدة الاجتماعية الصالحة لاقتصاديات البداوة - ملائمة لحياة المدينة القائمة على المصالح المشتركة، وبذلك انهارت كل الروابط والأسس التي تستند إليها، بانتقال العرب إلى المدن والأمصار. وكان لابد للدين أو المذهب الذي يعبر عن هذا الوضع من أن يأخذ في الاعتبار كل هذا التعقيد الذي طرأ على الوضع البشري عامة والوضع العربي خاصة، ومن ثم كان دين الإسلام، على خلاف كل ما سبقه من الأديان، معبرًا عن النقلة الحضارية الكبيرة القائمة على سيادة العقل البشري، وتحكيمه في كل ما يتعلق بحياة الناس، ويكفي في هذا المجال أن نذكر أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي لم يستند في إقناع الناس إلى معجزة أو خارقة، وإنما استند إلى الدليل والبرهان العقلي، وكان تحديه للناس عقليًا، ومعجزته كلمة. وبانتقال الناس من الوحدة الاجتماعية المتجانسة في القبيلة؛ إلى وحدة اجتماعية أشد تعقيدًا، وأكثر اختلافًا في المصالح وتضارب الرغبات؛ وما يتبع ذلك من تنافس وتناحر وتكالب على الثروات التي تجود بها التجارة؛ وكل ذلك مما يهدد سلامة الإنسان، ويعرض كيان المجتمع للتمزق والانهيار، كانت الحاجة إلى تنظيم المجتمع ماسة. وكانت مدينة مكة التجارية نموذجًا مصغرًا لكل أدواء المرحلة الحضارية الجديدة. وما كان لدين أتى معبرًا عن هذا الوضع الحضاري المعقد أن يكتفي بما اكتفت به الديانات قبله، والتي عبرت عن مراحل في حياة البشر أقل تعقيدًا. وحين قال المولى جل وعلا في أواخر ما نزل من الذكر الحكيم (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) [المائدة/3] ، فكان من مظاهر هذا الإكمال الاهتمام بتنظيم حياة الناس في مجتمع المدينة المعقد، والمزاوجة بين الجانب الروحي - وهو الجانب الديني - والجانب الاجتماعي، بأن جعلهما بمثابة وجهي العملة الواحدة، ليحدث التكامل في شخصية الفرد، ويتم الانسجام بين متطلبات الروح وتطلعاتها، وحاجات الجسد ورغباته بما يحقق سعادة الفرد، وينتهي بخير الجماعة. ومن ثم كانت قيم الدين الجديد، وكل الشعائر والعبادات التي ترمز إليها وتعبر عنها مرتبة ارتباط تلازم بحياة المجتمع وقضاياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت