... وعندما أنزل الله تعالى يوم عرفة (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا ) ) (1) اتضحت بصورة نهائية للإنسانية جمعاء أنه لا انتظار بعد ذلك لرسالة أخرى أو كما وضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مثلى ومثل النبيين من قبلى كمثل رجل بنى دار فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة ) ) (2) ، (( إنه لا نبى بعدى ولا أمة بعدكم ) ) (3) ، فكان من الطبيعى لهذه الأمة كأن تواجه في مسيرتها الطويلة مواقف عصيبة لا عهد للتاريخ بها، فابتليت في دينها -الإسلام- بمؤامرات وثورات ومقاومات داخلية وخارجية فكثيرا ما كان هذا الدين عرضة لتحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، ودخلت فيه البدع والأفكار الأعجمية وتسرب إليه الشرك والجاهلية عن طريق التأثر بثقافات الأمم المفتوحة، وعن طريق التقليد والجهل.. ابتليت هذه الأمة بعصور وأجيال لم تعرفها أمة قبلها وأ، تواجه صراعا في ميدان العقول والعلم والحضارة والاجتماع والتشريع لم تواجهها أمة في التاريخ، ذلك أنها الأمة التى كتب لها أن تقود الإنسانية في شوطها الأخير بهدى الرسالة الخاتمة، فأصبح من المحتم عليها أن تثبت جدارتها لهذه القيادة في كل زمان ومكان، وفى أى ميدان ينشط فيه الإنسان، وقد استطاعت الأمة الإسلامية أن تنهض من كبواتها وتواجه العقبات بقوة، لعدة عوامل منها:
الحيوية الكامنة في طبيعة الرسالة الإسلامية ذاتها، التى تستطيع أن تواجه احتياجات الإنسان المتطورة دائما، بل وتنمى فيه طاقات فاعلة جديدة 0
أن الله عز وجل قد تكفل بمنح الأمة الإسلامية رجالا أكفاء أقوياء، يرثون الأنبياء، فينقلون روح الرسالة إلى عصرهم باستنارة ووعى يعيدان شباب الأمة بحيث لا تكتهل ولا تهرم أبدا 0
(1) سورة الروم: 30
(2) رواه الإمام أحمد في مسنده
(3) رواه البخارى في كتاب المغازى