الآيات"أن الله رب الصغير والكبير، والبعوضة والفيل والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل، إنها معجزة الحياة، معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله [1] ولكن في كل معجزة لون جديد، وطعم جديد، ولفتة جديدة، على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل، لأن الهدف التنوير والتبصير، واختبار القلوب والنفوس لتتعظ وتتأدب مع صاحب الهيبة والعظمة والقدرة غير المتناهية."
في هذه الآية الكريمة تبين لنا كيف أن الله تعالى وضع كثيرًا من الأسرار في هذا المخلوق الصغير الضعيف، والذي كشفت الأيام بجهود العلماء، والمستبصرين من العباد شكله، وأنواعه، وأجهزته، وقدراته التي يقف العقل أمامها حائرًا، والبصر حسيرًا. عندها يدرك مدى العظمة والهيبة والقدرة التي يمتاز بها الله سبحانه من خلال مخلوق صغير من مخلوقات لم يحط بكل جوانب قدرة الله فيه فكيف لو عرف كل الجوانب في كل الخلق؟!
لقد سخر الله من الكفار أيما سخرية حين ضرب لهم الأمثال من أصغر خلقه من الحشرات كالعنكبوت، والذباب، والبعوض لكن ليكشف عن عظمته، وليبقى الإنسان على مر الزمن يدرس هذه الأمثال ليجد فيها العظمة المتجددة، الدالة على ضعف الإنسان، وعظمة الديان سبحانه وتعالى.
لقد أودع الله في هذا المخلوق الصغير من الأجهزة ما لو أراد الإنسان صنع مثله على سطح الأرض لتطلب منه مساحة كبيرة، و لا يصل إلى جودة الأداء الموجود في صنع الله تعالى. كما لو نظر الإنسان إلى القدرات التي أودعها الله في أصغر خلقه لوجد أنها تقف في هيبة أمام هيبة الخلق الأكبر والأقوى متحدية بما حباها الله ما ليس عند غيرها، وقد تغلبه وترديه قتيلًا في غالب الأحيان. و صدق الشاعر حين قال:
لا تحقرنَّ صغيرًا في مداعبةٍ إنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسدِ
كما عظمة القرآن تتجدد، وتتكشف مع التقدم البشري، ليكشف البشر مكنونات وأسرار لم يكن الأسلاف يعرفونها، أو يدرون بها، كما هو الحال في أمر البعوضة حين كشف العلم الحديث أنها تحمل مخلوقًا أصغر منها يعيش فوقها.
كل ذلك دليل على عظمة الخالق وقدرته المستحق للطاعة والعبادة والخشية والإخبات. إن علماء التفسير لم يتعرضوا لتلك العجائب في البعوض التي كشفها علم العصر من عدد الأجهزة، ووجود المخلوق الصغير الذي فوق تلك البعوضة، وهكذا يبقى القرآن يتجدد ويتحدى الخلق
(1) في ظلال القرآن، سيد قطب،، دار الشروق، الطبعة الشرعية التاسعة، 1400هـ/1980م، ج1، ص50 ..