الفصل الأول
المبحث الأول
عناية القرآن الكريم بالزمن
يعد الزمن أثمن شيء في الحياة، كيف لا والآجال والأعمار، داخلة فيه، إذ ليس عمر الإنسان إلا مجموعة من الدقائق والثواني تشكل مجتمعة الأيام والسنين التي يعيشها كل واحد منا 0 وكل لحظه أو دقيقه تمضي بمثابة السير نحو النهاية، والقرب من الخاتمة 0
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني [1]
ومن هنا يظهر أن مقولة: الوقت أغلى من الذهب مجانبة للصواب، لأن الوقت في حقيقته هو الحياة، و الحياة أغلى من كل شيء في هذه الدنيا 0 لذلك فقد عني القرآن الكريم بالزمن عناية فائقة وجاءت عنايته بالزمن من وجوه أهمها:-
1 -اعتبار الزمن من النعم العظيمة:
يقول الله تعالى في معرض الامتنان وبيان عظيم فضله على الإنسان {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {النحل/12} فالليل والنهار نعم جليلة أنعمها الله تعالى على الإنسان، وهي نعم ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري. ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل، أو ليلا بلا نهار ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون [2] ويقول سبحانه في موضع آخر في سياق تعداد نعمه على الإنسان: {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إبراهيم/33} وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ {إبراهيم/34} تسخير وفق حاجة الإنسان وتركيبه، وما يناسب نشاطه وراحته 0 ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان، فضلا عن فساد ما حوله، وتعذر أمر حياته ونشاطه و إنتاجه [3] 0
2 -اعتبار الزمن من الآيات الدالة على وجود الله:
(1) البيت لأحمد شوقي، قاله في رثاء مصطفى كامل 0 انظر: (الموسوعة الشوقية) 5/ 356
(2) سيد قطب، (في ظلال القرآن) الطبعة الثانية والعشرون، دار الشروق، بيروت /لبنان، 1414ه/1994م، 4/ 2163 0
(3) سيد قطب، (الظلال) ، 4/ 2108 0