الفصل الثاني
علاقات الوحي وشبهه والرد عليها
المبحث الأول
العلاقة بين الوحي السماوي والوحي البشري والوحي الشيطاني
من خلال ما تقدم إذا دقق الباحث النظر في هذا الموضوع وجد قاسمًا مشتركًا بين هذه الأنواع الثلاثة، وفروقا متباينة مع وجود الرابط الذي سننوه عنه. فالإنسان هو المحل الذي تتنازعه أنواع الوحي المختلفة، وعليه أن يصفي فكره ويشحذ ذهنه حتى لا يقع فيما لا تحمد عقباه بالنسبة له في الدنيا والآخرة.
إن الوحي السماوي بأنواعه وصوره التي سبق ذكرها لا شك أنه هو الحق الذي يجب اتباعه، لما يمتاز به من المعجزات والدلائل الباهرة الملجئة إلى التصديق والإيمان. فقد علم أنه موجه من الله إلى عباده لمنفعتهم في الدنيا والآخرة. والعاقل يدرك منفعته ومضرته. وعليه فهو خير محض كلّه.
أما الوحي البشري الذي يأتي عن طريق الإنسان للإنسان فهو مشوب بالمكر والخديعة والخبث والكيد حتى فيما يُرى من ظاهره أنه من أجل منفعته يفاجأ لاحقًا بأنه ضرر محض .. ولا يعني ذلك أن جميع الوحي البشري لا منفعة فيه، وخصوصًا إذا كان في الفكر تلك الأنواع المتقدمة من أنواع الوحي التي دخلت تحت مفهوم الوحي في العلم والعقل. فالإنسان بصفة عامة منه الصالح ومنه الطالح، فوحي الصالح لغيره قد يكون لمصلحة متيقنة أو متوقعة، فلو حصل الضرر لا يكون مقصودًا. ومن هنا فانه - أي الوحي البشري -ينقسم إلى قسمين تحتهما فروع ظاهرة ومتجددة بحسب الظروف والمصالح. وعليه فهو خير مشوب بالضرر.
وأما الوحي الشيطاني بجميع أنواعه وصوره فهو شر محض كله من البداية دون تردد أو ريب، لأن القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة حذرا من الشيطان، وبينا أنه عدو الإنسان اللدود المتربص منذ خلق آدم حتى تقوم الساعة. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم