والثابت أن تصنيف العلوم عند العرب والمسلمين الأوائل من واضعي العلوم ومؤصليها لم يأخذ حيزا كبيرا من اهتماماتهم شأنهم في ذلك شأن اليونان أنفسهم في بداية نشأت الفلسفة بل عند أفلاطون وأرسطو وهما أول من فصل الكلام في تصنيف العلوم ،كان التصنيف عندهم يناسب عصورهم فلا غزو أن يعتبروا الفلسفة بوتقة العلوم كلها، وأن يسوغوا للفيزيقي أن يتداخل مع الميتافيزيقي مع أن علماء المناهج يعتبرون ذلك مرحلة بدائية من مراحل تطور العلوم. [1]
وكان حال العرب والمسلمون أحسن بكثير في هذا المضمار ، إذ كان للعلوم الشرعية التي نشأت في الصدر الأول دور كبير في عملية التصنيف التي جرت تلقائيا لتسارع التراكم المعرفي والتطور العلمي الذي شهدته الحضارة الإسلامية في كل فروع المعارف والعلوم.
ولقد كان المحدثون موضوعيون لحد بعيد حينما اعتبروا التاريخ علمهم هم وحيزهم الذي لا يجوز لأحد أن ينازعهم فيه لأنهم هم الذين وضعوا مناهج البحث فيه بل هم الذين أرخوا وجمعوا مادة التاريخ لغيرهم.
ولقد أشار مرغليوث في دراساته عن المؤرخين العرب [2] إلى أن علم التاريخ اصطلح على تسميته خبرا ، وأن المؤرخ وهو الإخباري [3] صار شيئا غير المحدث ويضيف استنتاجا من عنده أن الإخباري كان أقل رتبة من المحدث.
(1) - مدخل جديد إلى الفلسفة عبد الرحمن بدوي.ص1-9.
(2) - دراسات عن المؤرخين العرب.مرغليوث.ترجمة حين نصار.ص3
(3) - جزم ابن هشام بأن هذه النسبة من لحن العلماء وأن الصواب خبري لأن القاعدة أن نسبة الجمع ترد إلى الواحد وسببه أن النسبة إحالة إلى النوع، وخصوصية الجمع منتفية كما في همع الهوامع للسيوطي ، لكنه خرجه بعض العلماء على مذهب للبعض بجواز النسبة إلى الجمع تباسا على فرائضي وكتبي وقلانسي (شرح التمسي على ألفية السيوطي ص9) وليس ذلك بسديد فالمذهب ضعيف والتخريج على خلاف القياس، والذي ورد ليس بمسموع،وما قاله ابن هشام أقرب والله أعلم.