الصفحة 9 من 52

و إله من فيها، و مثاله كقولنا: (( هو بخُراسان أمير و بمصر أمير، فالإمارة تجتمع له فيهما و هو حال بأحديهما أو بغيرهما ) ) [1] .

و الوجه الثالث هو التدبّر في القرآن الكريم، و الاستنباط منه ما يُرد به على مقالات المتكلمين، فعندما أنكر الجهمية علو الله تعالى و استوائه على عرشه، رد زعمهم أبو سعيد عثمان الدارمي بقوله تعالى عن فرعون: (( يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى، و إني لأظنه كاذبا ) )-سورة غافر/ 36 - 37 - ،و استنتج منه أن موسى عليه السلام كان يقول لفرعون: إن الله تعالى في السماء، و إلا ما أمر فرعون ببناء الصرح [2] .

و احتج عليهم أيضا بقوله تعالى: (( و ما كان لبشر أن يُكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه علي حكيم ) )-سورة الشورى/ 51 - ،و استنبط منه أن فيه إشارة إلى أن الله عز و جل بائن عن خلقه، فلو كان بذاته مع مخلوقاته في كل مكان، ما (( كان للحجب معنى، لأن الذي هو في كل مكان لا يٌحجب بشيء من شيء ) ) [3] .

و عندما أظهر المعتزلة القول بخلق القرآن ضللهم أهل الحديث [4] ،و أبطل زعمهم احمد بن حنبل، و قال إنه يُؤدي إلى القول بأن علم الله مخلوق، و هذا زعم باطل، لأن القرآن هو من علم الله و أمره؛ بدليل قوله تعالى: (( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) )-سورة آل عمران/61 - ،و قوله (( لئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، مالك من الله من ولي و لا نصير ) )-سورة البقرة/120 - ،و (( ألا له الخلق و الأمر ) )-سورة الأعراف/54 - [5] . فهذا استنباط صحيح، فبما أن القرآن من علم الله و أمره، فإن القول بخلقه يعني أن علمه تعالى مسبوق بجهل، و هذا نقص و محال على الله تعالى، و هو القائل: (( و كان الله عليما حكيما ) )-سورة النساء/170 - ،و (( كان الله سميعا عليما ) )-سورة النساء/ 148 - ،و (( عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال ) )-سورة الرعد /9 - .

و يُروى أن الفقيه محمد بن سُحنون المالكي (ت 265ه) ناظر معتزليا في مسألة خلق القرآن، فقال له: المخلوق يذل لخالقه أم لا؟ فسكت المعتزلي، فقال له ابن سحنون: إن قلت بالذلة على القرآن فقد خالفت قوله تعالى: (( و إنه لكتاب عزيز ) )-سورة فصلت/41 - [6] . و رده هذا رد مُفحم ينطوي على فهم ثاقب و استنباط صحيح من الآية الكريمة، جعل المعتزلي يتوقف و لا يُجيب،

(1) تأويل مختلف الحديث، ص: 252 و ما بعدها.

(2) الدارمي: المصدر السابق، ص: 45.

(3) نفس المصدر، ص: 73.

(4) انظر: عبد الله بن أحمد: السنة، ص: 10.

(5) نفسه، ص: 9 - 10.

(6) جمال بادي: الآثار، ج1 ص: 287.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت